فلسطين أون لاين

بغربالٍ ومنخل.. أبٌ ينقب عامين عن رفات عائلته

...
يعتلي محمود حماد (45 عاما) تلة من الرمال ويحفر بيدين عاريتين وبأدوات بدائية بين الركام بحثا عن رفات زوجته وأطفاله الذين فقدهم تحت الأنقاض.
غزة/ عبد الرحمن يونس:

لم يترك محمود حماد (38 عامًا) ركام منزله في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، منذ أن فقد زوجته وأطفاله السبعة في قصف إسرائيلي أواخر عام 2023. فالرجل الذي نجا وحده من المجزرة اختار أن يحوّل أنقاض بيته إلى ساحة بحث طويلة ومؤلمة، استمرت أكثر من عامين، مستخدمًا غربالًا ومنخلًا ويديه العاريتين، في محاولة لجمع ما تبقى من رفات عائلته ودفنهم بكرامة.

منذ ديسمبر/كانون الأول 2023، تحوّل منزل محمود حماد في حي الصبرة إلى كومة هائلة من الركام، بعدما دمرت الغارات الإسرائيلية المنزل فوق رؤوس ساكنيه، لتستشهد زوجته وأطفاله السبعة، ويبقى هو الناجي الوحيد من العائلة.

يقول محمود لصحيفة "فلسطين": "حين رأيت بيتي وقد تحول إلى ركام، شعرت أن جزءًا مني مات أيضًا. لم أستطع أن أترك زوجتي وأطفالي تحت الأنقاض، كان عليّ أن أبحث عنهم مهما كان التعب والمخاطر".

image-1768835365.webp


منذ ذلك اليوم بدأ رحلة شاقة، رفع خلالها الحجارة والركام قطعةً قطعة، ونخل التراب بعناية مستخدمًا غربالًا ومنخلًا بسيطين، على أمل العثور على أي أثر من أحبته.

وقضى محمود نحو 180 يومًا متواصلة في البحث اليومي بين الركام، رافعًا ما يقارب 350 طنًا من الأنقاض بيديه، في ظل غياب المعدات الثقيلة أو فرق الإنقاذ المتخصصة.

يقول: "كنت أتنفس الغبار وأتحمل الألم الجسدي والنفسي، لكن الأمل كان يدفعني للاستمرار. لم أكن أبحث عن عظام فقط، كنت أبحث عن عائلتي".

ويشير إلى أن شدة القصف جعلت الأجساد تتناثر إلى أجزاء صغيرة، مضيفًا: "قوة الصواريخ جعلت معظم الأجساد تتفتت. عثرت في البداية على نحو 1.8 كيلوغرام من رفات ابني البكر إسماعيل وبعض بقايا زوجتي وأطفالي، وكانت تلك اللحظة بداية مؤلمة لما تبقى من أسرتي".

1b7143f6-dbd3-499e-a635-f6ad08fb851c.jpg


ومع مرور الوقت، واصل محمود البحث رغم الإرهاق الكبير، مدفوعًا بالأمل ونصيحة من شقيقته إيلين وابنها إبراهيم، بعدما رأيا بعض أفراد الأسرة في المنام، ما دفعه إلى متابعة البحث في زاوية أخرى من المنزل قرب جدار المطبخ.

يقول محمود: "واصلت الحفر هناك رغم التعب، والحمد لله عثرت على بقايا أخرى. كان شعورًا غريبًا؛ مزيج من الألم والراحة لأنني استطعت أن أوفي حقهم قبل أن أودعهم الثرى".

وخلال هذه الرحلة الطويلة، تلقى محمود مساعدة محدودة من بعض المختصين، حيث ساعدته الدكتورة سُرى إبراهيم من العراق في تقدير أعمار العظام، بينما قدم له الدكتور هاني، المختص في علم العظام، إرشادات علمية ساعدته على التعرّف إلى رفات أفراد عائلته.

b5b06a14-1e55-4b8b-94e5-f105744d3558.jpg


ويضيف: "لم ينقطع الأمل يومًا. في كل مرة كنت أجد شيئًا صغيرًا: فكًا أو ضرسًا أو فقرة. كل قطعة كانت تعيد إليّ جزءًا من أحبتي".

لكن ما أثقل قلب محمود أكثر، هو ما يصفه بـ"التمييز في التعامل"، إذ شاهد فرقًا أجنبية تستخدم معدات متطورة لانتشال جثث جنود إسرائيليين، بينما لم يتلقَّ أي مساعدة في البحث عن أفراد أسرته.

يقول: "جندي إسرائيلي تُسخّر له المعدات والفرق المتخصصة، أما أنا فنبشت بيتي بيديّ فقط. لم يتحرك أحد لمساعدتي أو يراعِ مشاعر عائلتي".

ومع حلول شهر رمضان هذا العام، قرر محمود تكثيف البحث في آخر جزء من المنزل لم يفتشه بعد، وهو الجهة الجنوبية من الشقة، ليكون بذلك قد مرّ على كل زاوية في البيت.

يقول: "أكرمني الله بأن أعثر على بقايا أخرى، وعزمت أن أصلي عليهم في آخر جمعة من رمضان في مسجد عبد الله عزام، ثم أواريهم الثرى".

وبعد 822 يومًا من البحث المتواصل ورفع أكثر من 400 طن من الركام، تمكن محمود أخيرًا من جمع ما تبقى من رفات زوجته وأطفاله: محمد وجنى وغيث وجودي، والجنين الذي كانت تحمله زوجته.

260053ab-4dcf-457c-af6d-03c8d93d633a.jpg
 

كل ما تبقى من عائلته كان نحو ستة كيلوغرامات فقط من العظام.

يقول محمود وهو يستعيد تلك اللحظة: "الحمد لله أنني لم أقصر في البحث عنهم. ما تبقى كان قليلًا جدًا، لكنه بالنسبة لي كل شيء".

وخلال رحلته، لم يفارق الدعاء شفتيه، وكان يردد قول الله تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير".

ويضيف: "كنت أقول دائمًا: اللهم إن كانوا قد احترقوا وتبخرت عظامهم فأنا راضٍ بقضائك، فأكرم نزلهم وحرّم النار عنهم. وإن بقي أحدهم في مكان آخر فاللهم ردّ لي ضالتي".

وقبل صلاة الجنازة الأخيرة، دعا محمود أهالي الحي وأصدقاءه للمشاركة في وداع عائلته، قائلاً: "سنصلي على رفات زوجتي وأطفالي في آخر جمعة من رمضان في مسجد عبد الله عزام بحي الصبرة، كما سنصلي على غائبين من أبناء عائلتي الذين دُفنوا سابقًا. اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها".

رحلة محمود حماد لم تكن مجرد بحث بين الركام، بل قصة صبر وإصرار على الوفاء لعائلته حتى اللحظة الأخيرة. فوسط الدمار، وبأدوات بسيطة لا تتجاوز غربالًا ومنخلًا، استطاع أن يجمع ما تبقى من أحبته، ليعيد إليهم حقهم الأخير في وداع يليق بهم.

f62022f0-0671-4b3d-b5e3-6e55a3cb4af3.jpg
 

المصدر / فلسطين أون لاين