مع استمرار الاحتلال في إغلاق معبر رفح البري عقب اندلاع العدوان الإسرائيلي على إيران، يواجه آلاف المرضى والجرحى في قطاع غزة مصيرا قاسيا، بعدما تحول السفر للعلاج في الخارج إلى حلم بعيد المنال. فبين مستشفيات تعاني نقصا حادا في الأدوية والمعدات، وحصار يمنعهم من الوصول إلى الرعاية الطبية المتخصصة، يعيش المرضى أياما ثقيلة من الانتظار والقلق، في حين تتدهور حالات كثيرين منهم يوما بعد يوم، في وقت يحذر الأطباء من أن استمرار إغلاق المعبر قد يعني فقدان المزيد من الأرواح التي كان يمكن إنقاذها لو أتيحت لهم فرصة العلاج خارج القطاع.
وكان المتحدث باسم حركة المقاومة الإسلامية حماس، حازم قاسم، قال إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في إبقاء معبر رفح مغلقا بذريعة اعتبارات أمنية واهية، "يمثل خرقا واضحا وخطيرا لاتفاق وقف إطلاق النار، وتراجعا عن الالتزامات التي قُدمت للوسطاء، وفي مقدمتهم مصر".
وأضاف أن استمرار إغلاق المعبر يعكس توجها لدى الاحتلال نحو تشديد الحصار المفروض على قطاع غزة، لافتا إلى أن هذا الإغلاق يحرم عشرات الآلاف من الجرحى والمرضى من حقهم في السفر لتلقي العلاج خارج القطاع.
نوبات ألم متكررة
على سرير صغير داخل منزله بمدينة غزة، يقضي الطفل خالد العوجة (11 عاما) وقته منهكا من نوبات الألم المتكررة التي يسببها مرض سرطان الدم الذي يعاني منه منذ أكثر من عامين. كان الأمل الوحيد أمام عائلته هو السفر لتلقي العلاج في الخارج عبر معبر رفح، لكن إغلاق المعبر المتكرر حوّل هذا الأمل إلى انتظار طويل يهدد حياته.
منذ 4 أشهر، حصل العوجة على تحويلة طبية للعلاج خارج قطاع غزة، إلا أن اندلاع الحرب وما تبعها من إغلاق المعبر منعه من السفر، فيما تواصل حالته الصحية التدهور مع مرور الوقت. يقول الأطباء إن الطفل بحاجة إلى علاج متخصص غير متوفر في مستشفيات القطاع التي تعاني أصلا من نقص حاد في الأدوية والإمكانات الطبية.
داخل غرفة المستشفى، يقضي خالد 7 ساعات مرتين أسبوعيا بين جلسات العلاج ومراقبة الأطباء. لم يعد قادرا على اللعب مع أصدقائه أو الذهاب إلى المدرسة كما كان يفعل من قبل. يقول بصوت بينما يضع يده على صدره لصحيفة "فلسطين": "أنا تعبت كثيرا من المرض... أريد فقط أن أسافر للعلاج حتى أتعافى وأعود للعب مع أصدقائي".
وتقول والدته، وهي تجلس إلى جانبه محاولة إخفاء دموعها، إن الأيام أصبحت أكثر قسوة مع استمرار إغلاق المعبر "كل يوم يمر أشعر أن حالة خالد تسوء أكثر. الأطباء يقولون إن السفر للعلاج قد ينقذ حياته، لكننا لا نستطيع فعل شيء سوى الانتظار".
وتضيف الأم بصوت يظهر عجزها: "أشاهد ابني يضعف أمامي يوما بعد يوم، ولا أملك إلا الدعاء أن يفتح المعبر قبل أن يفوت الأوان".
وتوضح أن خالد يقضي معظم وقته بين المنزل والمستشفى، حيث يخضع لفحوصات مستمرة ويتلقى علاجات مؤقتة تهدف فقط إلى إبقاء حالته مستقرة قدر الإمكان، إلى أن تتاح له فرصة السفر "كان خالد طفلا نشيطا يحب كرة القدم واللعب في الشارع مع أصدقائه. اليوم بالكاد يستطيع الوقوف لدقائق. أكثر ما يقوله لي: ماما متى سنسافر؟".
لكن مع استمرار إغلاق معبر رفح، يبقى خالد، مثل آلاف المرضى في قطاع غزة، عالقا بين مرض يشتد يوما بعد يوم وأمل مؤجل في العلاج خارج القطاع.
تلاشي الأمل
في منزل متواضع غرب مدينة غزة، تعيش السيدة رنا أبو غليون (39 عاماً) أياما ثقيلة بين الألم والانتظار، بينما يتآكل قلبها ببطء بسبب مرض خطير في عضلته، في وقت يتلاشى فيه الأمل بالسفر للعلاج مع استمرار إغلاق معبر رفح.
تعاني أبو غليون من قصور عضلة القلب، وهو مرض يضعف قدرة القلب على ضخ الدم إلى بقية أنحاء الجسم. وبحسب الأطباء الذين يتابعون حالتها، فإنها تحتاج بشكل عاجل إلى إجراء عملية قلب متخصصة في مستشفى خارج قطاع غزة، وتحديدا في الأردن، حيث حصلت بالفعل على تحويلة طبية منذ أشهر.
لكن الطريق إلى العلاج ما زال مغلقا.
تقول رنا وهي تحاول التقاط أنفاسها لصحيفة "فلسطين": "أشعر أن قلبي يتعب أكثر كل يوم… أحيانا لا أستطيع المشي بضع خطوات داخل البيت دون أن أختنق".
منذ أكثر من عام بدأت أعراض المرض تظهر عليها بشكل واضح. في البداية كان الأمر مجرد تعب سريع وخفقان شديد في القلب، لكن حالتها تدهورت تدريجيا حتى أصبحت غير قادرة على ممارسة أبسط تفاصيل حياتها اليومية.
توضح بصوت متعب: "كنت امرأة نشيطة، أعتني ببيتي وأطفالي وأقوم بكل أعمالي، لكن الآن أصبحت بالكاد أستطيع الوقوف لدقائق. حياتي كلها أصبحت بين السرير والمستشفى".
يوم أبو غليون يبدأ غالبا بنوبات ضيق في التنفس، وتحتاج في كثير من الأحيان إلى الجلوس لفترة طويلة حتى يهدأ قلبها. تخشى النوم أحيانا، لأن الاستلقاء يزيد من شعورها بالاختناق.
وتقول: "هناك ليالٍ أبقى فيها جالسة حتى الفجر لأنني لا أستطيع النوم من شدة ضيق التنفس.. أشعر وكأن قلبي سيتوقف في أي لحظة".
قبل الحرب، كانت أبو غليون تنتظر دورها للسفر عبر معبر رفح لإجراء العملية في الأردن، لكن إغلاق المعبر المتكرر عطل رحلتها العلاجية، فيما أخذ المرض يشتد يوما بعد يوم.
وتقول بحزن واضح: "عندما أخبرني الأطباء أن العملية يمكن أن تنقذ حياتي، شعرت أن هناك أملا. لكن مع إغلاق المعبر أصبح هذا الأمل معلقا… وكأن حياتي متوقفة عند بوابة المعبر".
داخل المنزل، تقضي أبو غليون معظم وقتها على سرير صغير قرب النافذة، حيث تحاول أن تستنشق بعض الهواء لتخفيف ضيق التنفس. أصبحت أبسط الأنشطة، مثل إعداد الطعام أو ترتيب المنزل، أمورا تفوق قدرتها الجسدية.
تقول: "أكثر ما يؤلمني أنني لم أعد قادرة على رعاية أطفالي كما كنت… أشعر بالعجز وأنا أراهم يحتاجونني".
وتضيف بصوت متهدج: "أنا لا أطلب شيئا كبيرا.. فقط فرصة للعلاج. أريد أن أعيش".
بحسب الأطباء الذين يتابعون حالتها، فإن تأخر العملية يزيد من خطر تدهور عضلة القلب بشكل قد يصبح غير قابل للعلاج لاحقا.
وتقول أبو غليون وهي تنظر إلى أبنائها: "الخوف الحقيقي ليس من المرض نفسه… الخوف أن أموت وأنا أنتظر فتح المعبر".
خطر حقيقي
من ناحيته، قال مدير عام نظم المعلومات في وزارة الصحة في غزة، الطبيب زاهر الوحيدي، لصحيفة "فلسطين" إن آلاف المرضى في قطاع غزة يواجهون خطرا حقيقيا على حياتهم في ظل استمرار إغلاق معبر رفح ومنعهم من السفر لتلقي العلاج في الخارج.
وأوضح الوحيدي أن أكثر من 20 ألف مريض وجريح لديهم تحويلات طبية ويحتاجون بشكل عاجل إلى العلاج خارج القطاع، مشيرا إلى أن العشرات من هؤلاء المرضى توفوا بالفعل أثناء انتظارهم فرصة السفر.
مدير عام نظم المعلومات في وزارة الصحة في غزة، الطبيب زاهر الوحيدي
وأضاف: "نحن نسجل حالات وفاة بين المرضى الذين كانوا على قوائم السفر للعلاج في الخارج، نتيجة عدم تمكنهم من مغادرة القطاع في الوقت المناسب لتلقي العلاج المتخصص".
وأشار الوحيدي إلى أن الأزمة الصحية تفاقمت بشكل غير مسبوق بسبب الدمار الواسع الذي طال القطاع الصحي خلال الحرب.
وقال: "النظام الصحي في غزة يعاني انهيارا خطيرا نتيجة تدمير عدد كبير من المستشفيات، ونقص حاد في الأجهزة الطبية والأدوية الأساسية، إضافة إلى عدم توفر خدمات علاجية حيوية مثل العلاج الإشعاعي لمرضى السرطان".
وأكد أن هذا الواقع يترك آلاف المرضى دون خيارات علاجية حقيقية داخل القطاع، موضحا أن المستشفيات تحاول تقديم علاجات مؤقتة فقط لإبقاء المرضى على قيد الحياة قدر الإمكان.
وأضاف: "هناك أدوية أساسية نفدت تماما من مخازن وزارة الصحة، وأجهزة طبية خرجت عن الخدمة بسبب الاستهداف أو نقص قطع الغيار، ما يجعل علاج الكثير من الحالات المعقدة شبه مستحيل داخل غزة".
وختم الوحيدي بالقول إن استمرار إغلاق المعابر أمام المرضى يفاقم الأزمة الإنسانية والصحية، ويعرض حياة آلاف المرضى لخطر الموت في ظل غياب الإمكانات الطبية اللازمة لعلاجهم داخل القطاع.