قائمة الموقع

كيف تُوصل رسالتك السلبية بطريقة إيجابية؟

2026-03-12T08:37:00+02:00
فلسطين أون لاين

مقاربة نفسية في مهارات نقل الأخبار الصعبة

يواجه الإنسان في حياته مواقف كثيرة يضطر فيها إلى نقل رسائل سلبية للآخرين؛ كإبلاغ شخص بوفاة قريب، أو خسارة وظيفة، أو فشل مشروع، أو حتى توجيه نقد مؤلم.

وفي مثل هذه المواقف لا تكمن الصعوبة في المعلومة ذاتها بقدر ما تكمن في الطريقة التي تُنقل بها.
فالكلمة قد تحمل المعنى نفسه، لكن أثرها النفسي قد يختلف اختلافًا كبيرًا تبعًا لطريقة صياغتها وتوقيت طرحها والسياق العاطفي الذي تُقدَّم فيه.

من منظور علم النفس والإرشاد، يُعدّ نقل الأخبار السلبية من أكثر مهارات الاتصال حساسية؛ لأنه يتعامل مع منظومة معقدة من الانفعالات الإنسانية، مثل الصدمة والحزن والإنكار والغضب.
ولذلك فإن مهارة إيصال الرسائل الصعبة ليست مجرد مهارة لغوية، بل هي مهارة نفسية وانفعالية ترتبط بالذكاء العاطفي والقدرة على فهم استجابات الآخرين.

 أثر الصياغة على الاستجابة النفسية

تشير دراسات علم النفس المعرفي إلى أن الإنسان لا يتفاعل مع الحدث الموضوعي فقط، بل مع التفسير الإدراكي للحدث.
فطريقة صياغة الرسالة قد تُعيد تشكيل الإدراك النفسي للموقف.

هذا ما يعرف في علم النفس بمفهوم إعادة التأطير المعرفي (Cognitive Reframing)، حيث يمكن تقديم المعلومة ذاتها ضمن إطار لغوي مختلف يخفف من وقعها النفسي.

وتُروى في هذا السياق قصة الملك الذي رأى في المنام سقوط جميع أسنانه. حين فسر أحد المفسرين الحلم قائلاً إن جميع أقارب الملك سيموتون قبله، غضب الملك وسجنه.

ثم جاء مفسر آخر فقال: إن هذا يعني أن الملك سيكون أطول أهل بيته عمرًا، فسرّ الملك وأجزل له العطاء.

المعنى واحد في الحالتين، لكن الفرق كان في زاوية النظر اللغوية:

الأول ركّز على الموت، والثاني ركّز على طول العمر.

هذه القصة البسيطة تجسد مبدأ نفسيًا مهمًا: اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل أداة لتشكيل المعنى والانفعال.

 الصدمة النفسية الناتجة عن سوء التواصل

في المقابل، قد يؤدي الأسلوب الفج في نقل الخبر إلى صدمة نفسية مضاعفة.

ففي الإرشاد النفسي يُنظر إلى الخبر الصادم بوصفه حدثًا ضاغطًا قد يهدد التوازن النفسي للفرد، ولذلك ينبغي نقله بطريقة تدريجية تراعي استعداد المتلقي.

فعندما يُلقى الخبر بصورة مباشرة وجافة، فإن الجهاز النفسي للفرد لا يجد الوقت الكافي لبناء آليات التكيف، مما قد يؤدي إلى ردود فعل حادة مثل الإغماء أو الانهيار أو نوبات الهلع.

ولهذا طورت المؤسسات الطبية والنفسية نماذج مهنية لنقل الأخبار الصعبة، مثل البروتوكول المعروف باسم SPIKES في المجال الطبي، والذي يقوم على مجموعة خطوات أساسية، أهمها:

- تهيئة البيئة المناسبة للخبر.

- تقييم استعداد الشخص لتلقيه.

- تقديم المعلومات بشكل تدريجي.

- إظهار التعاطف والدعم النفسي.

 الذكاء العاطفي في نقل الرسائل السلبية

يرتبط نجاح الإنسان في إيصال الرسائل الصعبة بما يسميه علماء النفس الذكاء العاطفي؛ أي القدرة على فهم مشاعر الآخرين والتعامل معها بوعي. فالمتحدث الذكي عاطفيًا لا يركز فقط على ما يريد قوله، بل يضع في اعتباره كيف سيشعر الطرف الآخر عندما يسمع ما يُقال.

وهنا يظهر الفرق بين الصراحة الحكيمة والفظاظة غير الواعية.

فالصراحة لا تعني الصدمة، والوضوح لا يعني القسوة.

بل إن الحكمة في التواصل تكمن في تحقيق معادلة دقيقة:

إيصال الحقيقة دون كذب، ولكن بطريقة تحفظ كرامة الإنسان وتراعي هشاشته النفسية.

 البعد الإرشادي في التواصل الإنساني

من منظور الإرشاد النفسي، لا يُنظر إلى نقل الخبر بوصفه مجرد فعل إخباري، بل بوصفه تدخلًا نفسيًا قصير المدى.

فالطريقة التي يُبلَّغ بها الإنسان بخبر صادم قد تؤثر في مسار تكيفه مع الحدث لاحقًا.

فالشخص الذي يتلقى الخبر في بيئة داعمة، وبأسلوب إنساني متعاطف، يكون أكثر قدرة على المرور بمراحل الحزن الطبيعية.

أما الذي يتلقى الخبر بطريقة فجائية وقاسية، فقد يظل عالقًا في مرحلة الصدمة أو الإنكار لفترة أطول.

لذلك فإن مهارة إيصال الرسائل السلبية ينبغي أن تُعدّ جزءًا أساسيًا من مهارات العاملين في مجالات الإرشاد النفسي، وإدارة الأزمات، والعمل الاجتماعي، وحتى القيادة التنظيمية.

 الخلاصة

إن الحقيقة قد تكون مرة، لكن طريقة تقديمها قد تجعلها قابلة للاحتواء.

فالكلمات لا تنقل المعلومات فحسب، بل تصنع التجربة النفسية للإنسان.

ولهذا فإن الحكمة في التواصل لا تكمن في قول كل ما نعرف، بل في أن نعرف كيف نقول ما يجب أن يقال، ومتى، وبأي روح إنسانية.

فبين الصراحة القاسية، والتعاطف الحكيم، تتحدد الفروق الدقيقة التي تصنع التواصل الإنساني الناضج.

اخبار ذات صلة