منذ أكثر من عامين، تعيش ميسون بديع في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة على وقع انتظارٍ ثقيل، مترقبة أي خبر عن ابنها حسن الذي خرج صباح السابع من أكتوبر 2023 ليرى ما يجري قرب الحدود، ولم يعد منذ ذلك اليوم، تاركًا عائلته عالقة بين الأمل والخوف.
تجسّد قصة ميسون بديع واحدة من عشرات القصص التي خلّفتها الحرب في غزة، حيث لا تزال عائلات كثيرة تبحث عن مصير أبنائها الذين فُقد أثرهم منذ اندلاع الأحداث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
في ذلك اليوم، كان حسن محمد بديع يبلغ من العمر 19 عامًا، عندما توجه برفقة عدد من أصدقائه نحو المنطقة الشرقية لمخيم البريج وسط القطاع، لمتابعة ما كان يجري على الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.
تزامن ذلك مع إعلان قائد أركان كتائب القسام الشهيد محمد الضيف بدء عملية "طوفان الأقصى"، وهي العملية التي شنتها المقاومة الفلسطينية صباح ذلك اليوم، وشملت هجمات برية وبحرية وجوية وتسللًا لمقاتلين إلى مستوطنات في غلاف غزة.
لكن رحلة الفضول القصيرة التي بدأها حسن ذلك الصباح تحولت إلى لغز مفتوح لم تُحل خيوطه حتى اليوم.
مصير مجهول
تقول والدته ميسون بديع، وعلامات الحزن بادية على وجهها: "منذ تلك اللحظة انقطعت جميع الاتصالات به، ولم نعد نعرف عنه شيئًا".
وبحسب روايات بعض الشبان الذين كانوا برفقته، فقد شوهد حسن للمرة الأخيرة بالقرب من السياج الفاصل بين غزة والأراضي المحتلة، قبل أن يختفي أثره تمامًا.
وتضيف الأم أن رفاقه أخبروها أنهم رأوه آخر مرة في محيط المنطقة الحدودية، ومنذ ذلك الحين لم تظهر أي معلومات مؤكدة عن مصيره.
تعيش ميسون في مخيم النصيرات مع أسرتها الصغيرة، وهي أم لثلاثة أبناء: ابنتين وحسن، الذي كان الابن الوحيد في العائلة.
وتشير بحزن إلى أن غيابه ترك فراغًا كبيرًا في حياتهم، ليس فقط على المستوى العاطفي، بل في تفاصيل الحياة اليومية أيضًا.
وتقول: "حسن كان سندنا في البيت، وكان يساعد والده في كل شيء".
فوالد حسن يعاني من مرض السرطان، وكان الابن يرافقه باستمرار إلى المستشفيات ويتابع علاجه، ما جعل غيابه يزيد من معاناة العائلة، خاصة مع تدهور الحالة الصحية للأب خلال الفترة الماضية.
بحث بلا إجابة
لم تتوقف ميسون منذ فقدان ابنها عن البحث عنه، إذ تواصلت مع العديد من المؤسسات المحلية والدولية داخل غزة وخارجها، على أمل الحصول على أي معلومة تكشف مصيره.
وتقول: "تواصلت مع مؤسسات في غزة والضفة الغربية ورام الله، وسألت كل جهة يمكن أن تساعدني، لكن حتى اليوم لم يصلني أي جواب واضح".
اليوم يبلغ حسن 21 عامًا، بينما لا تزال عائلته تعيش حالة من الانتظار والقلق في ظل غياب أي معلومات رسمية تؤكد مكان وجوده.
وتوضح والدته أن ابنها كان طالبًا ولم يكن له أي نشاط أو انتماء سياسي، مؤكدة أنه خرج يومها بدافع الفضول فقط لمعرفة ما يجري على الحدود.
وتقول: "كان شابًا عاديًا مثل أي شاب في عمره، يدرس ويحلم بمستقبله".
احتمال الاعتقال
ورغم غياب المعلومات المؤكدة، تشير ميسون إلى أنها تلقت في بعض الفترات إشارات غير مؤكدة تفيد بأن ابنها قد يكون معتقلًا داخل السجون الإسرائيلية.
وتضيف أن بعض المحامين أبلغوا العائلة بإمكانية وجوده في سجن "عوفر"، لكن هذه المعلومات لم تُؤكد رسميًا حتى الآن.
وتقول: "طلبنا مرارًا من الجهات المختصة والمؤسسات الحقوقية متابعة قضيته والضغط على الاحتلال للكشف عن مصيره".
ومع مرور الوقت، يزداد القلق داخل الأسرة، خاصة في المناسبات الدينية والاجتماعية التي تذكّر العائلة بغيابه.
وتقول الأم إن شهر رمضان يحمل هذا العام شعورًا مضاعفًا بالحزن: "تمر الأيام ويأتي رمضان ولا يزال حسن بعيدًا عنا، لا نعرف أين هو ولا كيف يعيش".
كما تعبر عن مخاوفها المتزايدة على حياته في ظل التقارير التي تتحدث عن ظروف صعبة يعيشها الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية.
أرقام مقلقة
وفق معطيات حقوقية، يُقدَّر عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بنحو 9300 أسير، بينهم قرابة 1500 أسير من قطاع غزة.
ويتوزع هؤلاء على نحو 30 مركز احتجاز، تشمل سجونًا تابعة لإدارة السجون الإسرائيلية ومعسكرات احتجاز أنشأها الجيش بعد السابع من أكتوبر 2023.
كما تشير المعطيات إلى أن العشرات من معتقلي غزة لا يزالون رهن الاختفاء القسري، فيما تحتجز السلطات الإسرائيلية جثامين نحو 94 معتقلًا.
انتظار لا ينتهي
وسط هذه الأرقام، تبقى عائلة حسن بديع واحدة من عشرات العائلات الفلسطينية التي تعيش بين الأمل والخوف، بانتظار خبر قد يعيد إليها ابنها، أو على الأقل يكشف مصيره بعد أكثر من عامين من الغياب.
وبصوتٍ يملؤه الرجاء، تناشد ميسون المؤسسات الحقوقية والدولية التدخل للكشف عن مصير ابنها، قائلة: "نريد فقط أن نعرف أين أبناؤنا، وألا تبقى عائلاتهم معلّقة في هذا الانتظار المؤلم".