فلسطين أون لاين

حرب إيران مع أمريكا وإسرائيل بين الرؤية السياسية والرؤية العسكرية

...
عباس الساعدي

ليست كل الحروب التي تدار في عالم السياسة تقاس بعدد الصواريخ أو بحجم الجيوش، فبعض الحروب تدار في الظل قبل أن تسمع أصوات المدافع. وما يجري اليوم في الصراع بين الجمهورية الإسلامية من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، هو نموذج معقد لحرب تتداخل فيها الرؤية السياسية مع الحسابات العسكرية إلى درجة يصعب فيها الفصل بينهما.

إن فهم هذا الصراع لا يمكن أن يتم من خلال قراءة عسكرية بحتة ولا عبر تحليل سياسي مجرد بل من خلال الجمع بين المنظورين معا لأن القرار بالحرب في جوهره قرار سياسي، بينما أدواته ونتائجه تصاغ في الميدان العسكري.

أولا: الرؤية السياسية للصراع

سياسيا لا ينظر إلى المواجهة بين الجمهورية الإسلامية وخصومها باعتبارها نزاعا تقليديا بين دولتين، بل باعتبارها صراعا على النفوذ والهوية الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

فالولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت نظام إقليمي يضمن أمن حلفائها ويحدّ من صعود أي قوة إقليمية منافسة، بينما ترى الجمهورية الإسلامية أن هذا النظام يهدف إلى محاصرتها سياسيا وأمنيا وعسكريا.

ومن هذا المنطلق، فإن السياسة الإيرانية تقوم على مبدأ إدارة الصراع لا التعجيل بالحرب الشاملة. فالتصعيد السياسي المدروس يمنحها القدرة على توسيع أوراق الضغط دون الانجرار إلى مواجهة تقليدية قد تكون كلفتها عالية.

أما الكيان الصهيوني، فإنه ينظر إلى أي توسع في قدرات الجمهورية الإسلامية العسكرية خصوصا في مجال الصواريخ أو النفوذ الإقليمي، بوصفه تهديدا استراتيجيا طويل الأمد، وهو ما يجعله أكثر ميلا إلى خيار الضربات الاستباقية أو العمليات غير المباشرة.

ثانيا: الرؤية العسكرية للصراع

عسكريا يختلف هذا الصراع عن الحروب التقليدية التي عرفها التاريخ الحديث.

فلا الولايات المتحدة ولا الجمهورية الإسلامية تسعيان في الوقت الراهن إلى حرب شاملة مفتوحة، لأن مثل هذه الحرب قد تتحول إلى نزاع إقليمي واسع يصعب التحكم بنتائجه.

الرؤية العسكرية لدى الجمهورية الإسلامية تقوم على استراتيجية الردع غير المتكافئ. أي بناء قدرات تجعل كلفة الحرب على الخصم مرتفعة جدا حتى لو لم تكن موازين القوة التقليدية متكافئة.

ويشمل ذلك تطوير القدرات الصاروخية، والاعتماد على أساليب الحرب غير المتناظرة، وتوسيع نطاق النفوذ الإقليمي بما يخلق مسارح متعددة للصراع.

في المقابل تعتمد الولايات المتحدة على التفوق التكنولوجي والقدرة على الضربات الدقيقة بعيدة المدى، مع الاحتفاظ بإمكانية الحشد العسكري السريع. بينما يركز الكيان الصهيوني على الضربات الوقائية والعمليات الاستخبارية المركزة التي تستهدف تقليص القدرات العسكرية لخصومه قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر.

ثالثا: جدلية القرار بين السياسة والعسكر

التاريخ العسكري يثبت أن الجيوش لا تقرر الحروب، بل تنفذها.

فالقرار النهائي بالحرب يبقى قرارا سياسيا يخضع لحسابات أوسع من الميدان العسكري، مثل الاقتصاد، والتحالفات الدولية، والرأي العام، واحتمالات التوسع الإقليمي للنزاع.

ومن هنا تتجلى المفارقة في هذا الصراع:

فالسياسة تسعى إلى إبقاء الصراع تحت سقف الحرب الشاملة بينما تستمر العمليات العسكرية المحدودة والرسائل الميدانية في رسم حدود القوة والردع.

بعبارة أخرى، إن ما يجري ليس حربا تقليدية مكتملة الأركان، بل حرب إرادات تتقدم فيها السياسة خطوة، ثم يلحق بها العسكر خطوة أخرى دون أن يسمح الطرفان بانفلات الصراع إلى مواجهة شاملة.

رابعا: السيناريوهات المحتملة

يمكن قراءة مستقبل هذا الصراع عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

استمرار حرب الظل

أي بقاء المواجهة في إطار الضربات المحدودة والعمليات غير المباشرة، وهو السيناريو الأكثر احتمالا لأنه يحقق أهداف الضغط المتبادل دون الانزلاق إلى حرب واسعة.

التصعيد المحدود

وهو سيناريو قد يحدث نتيجة حادث عسكري كبير أو عملية نوعية تؤدي إلى ردود متبادلة أوسع، لكنه غالبا سيبقى ضمن نطاق السيطرة السياسية.

الحرب الإقليمية الواسعة

وهو السيناريو الأخطر لكنه الأقل احتمالا لأن كلفته الاستراتيجية والاقتصادية ستكون باهظة على جميع الأطراف.

إن الصراع بين الجمهورية الإسلامية وأمريكا والكيان الصهيوني ليس مجرد مواجهة عسكرية بل هو صراع مركب تتشابك فيه السياسة بالعسكر، والاستراتيجية بالأيديولوجيا، والردع بالحسابات الدولية.

وفي مثل هذه الصراعات، لا يقاس النصر دائما بمن يطلق الرصاصة الأولى، بل بمن يمتلك القدرة على إدارة التوازن بين القوة والسياسة دون أن يفقد السيطرة على مسار الأحداث.

فالحروب الكبرى في التاريخ لم تبدأ حين اشتعلت الجبهات، بل بدأت يوم اختل التوازن بين القرار السياسي والحساب العسكري.
ومن هنا، يبقى السؤال مفتوحا:

هل سيظل هذا التوازن قائما… أم أن لحظة الانفجار الاستراتيجي ما زالت تنتظر شرارتها؟

المصدر / فلسطين أون لاين