قائمة الموقع

خبير: الحرب ضد إيران تثير مخاوف الأمريكيين من تكرار تجارب العراق وفيتنام

2026-03-08T13:30:00+02:00
انبعاث أعمدة الدخان من مواقع قصف في إيران
فلسطين أون لاين

تثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران نقاشا متصاعدا داخل الولايات المتحدة حول أبعادها السياسية والاقتصادية والدستورية، في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة وتتزايد التساؤلات بشأن جدوى الانخراط العسكري الأمريكي في صراع جديد في الشرق الأوسط.

هذا الجدل لا يقتصر على النخب السياسية والاقتصادية، بل يمتد إلى وسائل الإعلام والرأي العام، حيث تتباين التقديرات حول دوافع الحرب وتداعياتها على الداخل الأمريكي ومستقبل التوازنات السياسية في واشنطن.

يرى الخبير في الشؤون الأمريكية والسياسية د. نعيم الريان أن قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي، إلى جانب أصوات مؤثرة داخل الحزب الديمقراطي، لا ترى مبررا مقنعا للحرب على إيران التي اندلعت السبت قبل الماضي. فبالنسبة لكثيرين، لا تبدو هذه الحرب دفاعية بطبيعتها، إذ لم يكن هناك تهديد مباشر أو وشيك للأمن القومي الأمريكي يبرر الانتقال إلى مواجهة عسكرية بهذا الحجم.

هذا الشعور يعزز حالة الشك لدى جزء من الرأي العام الذي بات أكثر حذرا تجاه الخطاب الرسمي المرتبط بتبرير الحروب، خاصة في ظل التجارب السابقة التي شهدتها السياسة الخارجية الأمريكية في مناطق عدة من العالم وخصوصا في الشرق الاوسط.

ويزداد الجدل تعقيدا بسبب الطريقة التي اتخذ بها قرار الحرب، فالمعارضون بحسب حديث الريان لصحيفة "فلسطين"، يشيرون إلى أن الإدارة الأمريكية مضت في هذا المسار دون الرجوع إلى الكونغرس، رغم أن الدستور الأمريكي يمنحه صلاحية إعلان الحرب.

لذلك يرى منتقدون أن القرار يمثل تجاوزا للأطر الدستورية، ويعكس توجها نحو تركيز القرار العسكري في يد السلطة التنفيذية، وهو ما يفتح الباب لنقاش قانوني وسياسي واسع حول حدود الصلاحيات الرئاسية في إدارة النزاعات العسكرية.

وفي السياق نفسه، تبرز داخل الولايات المتحدة اتهامات بأن قرار الحرب تأثر بضغوط خارجية، وبشكل خاص من جانب (إسرائيل)، فبعض المنتقدين يعتقدون أن المصالح الإسرائيلية لعبت دورا مهما في دفع إدارة ترامب نحو المواجهة مع إيران.

وقد ساهمت التطورات الإقليمية، وخاصة حرب الإبادة في غزة، في توسيع النقاش داخل المجتمع الأمريكي حول طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ومدى تأثير النفوذ الإسرائيلي في توجيه قرارات السياسة الخارجية الأمريكية، وفق ما يقول الخبير الريان.

توقيت الحرب بدوره يضيف بعدا سياسيا إضافيا، فبحسب الريان، جاءت المواجهة في مرحلة كانت فيها شعبية الرئيس دونالد ترامب تشهد تراجعا ملحوظا، فقد أظهرت استطلاعات الرأي تصاعد حالة عدم الرضا الشعبي، خصوصا فيما يتعلق بالأداء الاقتصادي للإدارة. وفي الوقت نفسه، عاد الجدل حول قضية جيفري إبستين إلى الواجهة، مع مطالب داخل الكونغرس بتوسيع التحقيقات المرتبطة بها، وهو ما زاد من الضغوط السياسية على البيت الأبيض في لحظة سياسية حساسة.

في هذا المناخ، يعتقد الريان أن المزاج الانتخابي في الولايات المتحدة بدأ يميل تدريجيا لصالح الحزب الديمقراطي، وقد يكون للحرب تأثير ملموس على نتائج الانتخابات النصفية المقبلة، خاصة إذا اقترنت بتداعيات اقتصادية يشعر بها المواطن الأمريكي بشكل مباشر.

ويقول الريان، إن التاريخ السياسي الأمريكي يظهر أن الحروب الطويلة أو المكلفة غالبا ما تنعكس سلبا على شعبية الإدارات الحاكمة، خصوصا عندما تترافق مع تدهور في المؤشرات الاقتصادية.

اقتصاديا، يتوقع أن تؤدي الحرب إلى زيادة الضغوط المعيشية داخل الولايات المتحدة، فارتفاع النفقات العسكرية قد يسهم في تفاقم الدين العام، وهو ما قد ينعكس لاحقا على السياسات الضريبية ومستويات الأسعار، كما أن استمرار التوتر العسكري في منطقة حيوية للطاقة قد يؤثر في الأسواق العالمية، الأمر الذي يزيد من مخاوف التضخم ويضع الاقتصاد الأمريكي أمام تحديات إضافية.

وفي الوقت نفسه، ينظر كثير من الأمريكيين بحذر إلى المبررات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، فذاكرة الحرب على العراق ما تزال حاضرة في النقاش العام، إذ يتخوف بعض المراقبين من أن تتكرر تجربة الاعتماد على مبررات أمنية يتبين لاحقا أنها مبالغ فيها أو غير دقيقة، هذا العامل يعزز من حالة الشك لدى الرأي العام ويزيد من صعوبة بناء إجماع داخلي حول الحرب.

من ناحية أخرى، يشير الريان إلى أن جزءا من الدعم السياسي الأمريكي لإسرائيل يرتبط بتقاطع أيديولوجي بين بعض دوائر القرار في واشنطن وحكومة اليمين الصهيوني المتطرفة، كما أن شريحة من القاعدة الانتخابية الأمريكية، خاصة في أوساط التيارات الدينية المحافظة، تتبنى رؤى سياسية ودينية تدعم هذا التقارب.

ومع ذلك، يلاحظ أن هذا الاتجاه بدأ يواجه تحديات متزايدة مع اتساع النقاش داخل المجتمع الأمريكي حول كلفة الانخراط المستمر في صراعات الشرق الأوسط.

ويرى الريان أن إطالة أمد الحرب قد لا تكون في صالح الإدارة الأمريكية، فاستمرار العمليات العسكرية من شأنه أن يعمق المخاوف الاقتصادية العالمية، مع تزايد احتمالات تباطؤ النمو وارتفاع معدلات التضخم، كما أن سقوط ضحايا أمريكيين قد يؤدي إلى توسع المعارضة الشعبية للحرب، نظرا للتأثير العاطفي والسياسي القوي الذي تتركه مثل هذه الأحداث في الرأي العام الأمريكي.

ويشير إلى أن الإدارة الأمريكية كانت تراهن على حرب قصيرة وسريعة تقوم على توجيه ضربات حاسمة تستهدف القيادات الإيرانية، بما يؤدي إلى إضعاف النظام في طهران أو دفعه إلى تقديم تنازلات استراتيجية، غير أن تطورات الميدان تشير إلى أن مسار المواجهة قد يكون أكثر تعقيدا مما كان متوقعا.

في المحصلة، يرى الريان أن الهدف الاستراتيجي للحرب قد يتمثل في إسقاط النظام الإيراني أو استبداله بنظام أكثر قربا من الغرب، لكن إذا تعذر تحقيق هذا الهدف في المدى القريب، فقد تتحول الاستراتيجية إلى إضعاف إيران عبر إدخالها في حالة من عدم الاستقرار الداخلي.

وبناء على هذه المعطيات، يبدو أن الصراع حول إيران مرشح لأن يكون طويلا ومعقدا، نظرا لارتباطه بأهداف استراتيجية تمس بقاء النظام الإيراني نفسه، إضافة إلى كونه جزءا من صراع أوسع يتعلق بإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وفي الوقت ذاته، قد لا تبقى تداعيات هذا الصراع محصورة في الإقليم، بل قد تمتد بعمق إلى الداخل الأمريكي، حيث تتقاطع السياسة الخارجية مع الحسابات الانتخابية والاقتصادية في لحظة سياسية دقيقة.

اخبار ذات صلة