قائمة الموقع

تقرير حقوقي: الإبادة في غزة مستمرة "بأدوات أقل صخبًا" رغم وقف إطلاق النار

2026-03-07T14:57:00+02:00
قطاع غزة لا يزال يواجه أزمة جوع ومأوى، إلى جانب قيود المفروضة على العمل الإنساني
فلسطين أون لاين

أكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن الأوضاع في قطاع غزة بعد أكثر من أربعة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار لا تعكس نهاية فعلية للحرب، بل استمرارًا لجريمة الإبادة الجماعية بأساليب مختلفة، وصفها بأنها "أقل صخبًا وأكثر انتظامًا".

 

وأوضح المركز، في تقرير صدر اليوم بعنوان "الإبادة مستمرة بأدوات أقل صخبًا"، أن القتل لم يتوقف منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، مشيرًا إلى استمرار عمليات القصف وإطلاق النار وأوامر الإخلاء القسري في مناطق متفرقة من القطاع، بالتوازي مع إبقاء السكان تحت ظروف معيشية خانقة.

ويشير التقرير إلى أن هذه الظروف تشمل انهيارًا شبه كامل للمنظومة الصحية، وتعطيل آليات الإخلاء الطبي الفاعلة، واستمرار أزمة الجوع والمأوى، إلى جانب القيود المفروضة على العمل الإنساني. وخلص إلى أن نمط الجريمة انتقل من التدمير العسكري واسع النطاق إلى إدارة ممنهجة لواقع معيشي يستنزف السكان ويُبقيهم على حافة الانهيار، ما يعني أن "مرحلة ما بعد الحرب" لم تبدأ فعليًا.

وحذّر المركز من خطورة تطبيع هذه الانتهاكات أو التعامل معها باعتبارها واقعًا اعتياديًا، مؤكدًا أن أي تقاعس دولي عن إلزام سلطات الاحتلال باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان سيؤدي إلى تكريس الإفلات من العقاب، وتحويل الانتهاكات الجسيمة إلى سلوك مقبول سياسيًا، بما يهدد منظومة الحماية الدولية برمتها.

منظومة صحية منهكة

وثّق التقرير، في محوره المتعلق بالوضع الميداني، استمرار استخدام القوة المميتة بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، مشيرًا إلى استشهاد نحو 600 فلسطيني، بينهم أكثر 160 طفال، وإصابة ما يزيد على 1500 آخرين نتيجة القصف وإطلاق النار والاستهداف المباشر في مناطق مختلفة من القطاع.

كما رصد استمرار إصدار أوامر إخلاء قسري في بعض المناطق، وعمليات نسف لمبانٍ سكنية واستهداف لأراضٍ مدنية، ما يعكس، بحسب التقرير، أن العمليات العسكرية لم تتوقف فعليًا، وأن البيئة الأمنية لا تزال شديدة الخطورة في ظل غياب أي ضمانات حقيقية لسلامة السكان أو عودتهم الآمنة إلى مناطقهم.

وفي ما يتعلق بالقطاع الصحي، أظهر التقرير أن المنظومة الطبية ما تزال تعمل بقدرات محدودة ومنهكة، مع استمرار تعطل عدد كبير من المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية والمخبرية وبنوك الدم.

وأشار إلى وفاة 1268 مريضًا أثناء انتظارهم الإجلاء الطبي منذ يوليو/تموز 2024، بينهم مئات الحالات المصنفة "إنقاذ حياة". وفي الوقت نفسه، يقف آلاف المرضى على قوائم انتظار للسفر للعلاج خارج القطاع، من بينهم نحو 4000 مريض أورام بحاجة ماسة إلى العلاج.

ورغم الإعلان عن فتح معبر رفح مطلع فبراير/شباط 2026، بيّن التقرير أن حركة السفر بقيت محدودة ولا تتناسب مع حجم الاحتياج، إذ لم تتجاوز نسبة الحركة الفعلية ثلث العدد المفترض، ما يجعل آلية الإخلاء الحالية غير كافية لمنع مزيد من الوفيات أو التدهور الصحي غير القابل للعلاج.

وفي ملف السكن، أشار التقرير إلى غياب أي مؤشرات جدية على بدء عملية إعادة الإعمار، في وقت ما تزال فيه أعداد كبيرة من الأسر تعيش في خيام مهترئة أو مبانٍ متضررة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات السلامة. كما أن القيود المفروضة على إدخال مواد البناء تحول دون إصلاح المنازل أو إنشاء بدائل إيواء آمنة.

وبيّن أن أزمة السكن تترافق مع إدارة غير كافية لتدفق المساعدات الغذائية والوقود، ما أبقى مستويات انعدام الأمن الغذائي عند حدود حرجة، في ظل تضخم كبير في أسعار السلع الأساسية، وانهيار القدرة الشرائية وغياب مصادر الدخل، الأمر الذي عمّق مستويات الفقر المدقع وجعل مئات آلاف الأسر عاجزة عن تلبية احتياجاتها اليومية.

تضييق على العمل الإنساني

كما تناول التقرير القيود المفروضة على الفضاء المدني والعمل الإنساني، مشيرًا إلى استمرار استهداف وتقويض دور المنظمات الدولية والمحلية العاملة في المجالات الصحية والإغاثية والاجتماعية، سواء عبر القيود الإدارية والأمنية أو من خلال الاستهداف المتكرر للعاملين الإنسانيين.

واعتبر المركز أن هذه السياسات أضعفت شبكات الحماية الاجتماعية وقلّصت وصول السكان إلى الخدمات الأساسية، لا سيما في مجالات الصحة والغذاء والتعليم.

وفي السياق نفسه، حذّر التقرير من استمرار مساعي سلطات الاحتلال لخلق بيئة معيشية طاردة تدفع سكان غزة إلى مغادرة القطاع تحت ضغط الظروف القاسية. وأشار إلى عمليات إجلاء محدودة لعائلات ومرضى، وإلى اضطرار مئات الطلبة للالتحاق بجامعات خارج القطاع بدعم برامج خاصة، في ظل التدمير شبه الكامل لمؤسسات التعليم العالي.

واختتم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تقريره بالدعوة إلى تحرك دولي عاجل لوقف السياسات التي تهدد حياة السكان في قطاع غزة، مطالبًا بضمان الإدخال الفوري وغير المشروط للمساعدات الإنسانية والوقود ومواد البناء، وتأمين الإخلاء الطبي العاجل للمرضى والجرحى دون قيود.

كما شدد على ضرورة حماية المنظمات الإنسانية من الاستهداف أو التعطيل، ودعم مسارات المساءلة الدولية بما يضمن عدم إفلات المسؤولين عن الجرائم المرتكبة من العقاب، مؤكدًا أن استمرار الصمت الدولي أو الاكتفاء بالإدانات اللفظية من شأنه ترسيخ واقع الإبادة المستمرة وإطالة معاناة المدنيين في قطاع غزة.

اخبار ذات صلة