فلسطين أون لاين

تقرير مقترحات العملة الرقمية لغزة... حلّ لأزمة السيولة أم أداة لإحكام السيطرة المالية؟

...
عملات رقمية
غزة/ عبد الرحمن يونس

في خضم أزمة سيولة غير مسبوقة يفتعلها الاحتلال في قطاع غزة، برزت مقترحات لتدشين عملة رقمية يُفترض أن تشكّل بديلًا عن النقد الورقي الذي تآكلت كتلته وتقلصت تدفقاته بفعل القيود المفروضة منذ اندلاع حرب الإبادة.

وتُطرح العملة الرقمية بوصفها أداة حديثة لتنظيم المعاملات وتسهيلها، غير أن خبراء اقتصاديين وحقوقيين يحذرون من أن المشروع، في السياق الغزي الراهن، يتجاوز البعد التقني ليطال جوهر السيادة المالية وحقوق السكان الأساسية.

وأوضح الخبراء في أحاديث منفصلة لـ "فلسطين أون لاين" قراءات متقاطعة تحذر من مخاطر التحول الرقمي في بيئة تفتقر إلى السيطرة الفلسطينية الكاملة على النظام المالي.

الخبير الاقتصادي والمحاضر الجامعي د.محمد مقداد، يضع القضية في سياقها التاريخية، مشيرًا إلى أن غزة عانت طويلًا من إشكالية العملة وتعدد مرجعياتها. فمنذ مرحلة التعامل بالجنيه في فترة الإدارة المصرية، مرورًا باعتماد الشيقل، ثم حالة التداخل النقدي بعد اتفاق أوسلو مع استمرار استخدام الدولار والدينار، ظل النظام النقدي الفلسطيني محكومًا بغياب السيادة الكاملة.

5857481887713004853.jpg

الخبير الاقتصادي، د. محمد مقداد

ويؤكد مقداد أن سلطة النقد، رغم وجودها المؤسسي، لا تملك السيطرة الفعلية على حركة الأموال، في ظل تحكم (إسرائيل) بإدخال النقد وإخراجه. وقد تجلت هذه الهيمنة، بحسب قوله، في أزمات متكررة شملت نقص الفئات الصغيرة، وشح الشيقل، وانتشار العملات المهترئة، وصولًا إلى الأزمة الخانقة خلال حرب الإبادة، حين مُنع إدخال السيولة، ما كشف عمق الاختلال البنيوي.

ويرى مقداد أن فكرة العملة الرقمية، في هذا السياق، تثير تساؤلات جدية، خاصة أن المعلومات حولها لا تزال غير واضحة أو مفصلة. ويعتقد أن المشروع، إذا جاء ضمن رؤية أمريكية–إسرائيلية، قد يهدف إلى تعزيز الرقابة على حركة الأموال ومعرفة تفاصيل دخولها وخروجها، بما يجعلها قابلة للتقييد أو التجميد بقرار واحد.

ويضيف: «أنا لست ضد العملة الرقمية من حيث المبدأ، فهي تسهّل المعاملات وتحد من تلف النقد وضياعه، لكن تطبيقها في الحالة الغزية، في ظل السيطرة الإسرائيلية، يفتح الباب أمام استخدامها كأداة رقابة وعقوبات».

ويشير إلى أن القرار في مثل هذه القضايا لا يبدو بيد سكان القطاع، متوقعًا ألا يُترك لهم خيار فعلي في تحديد طبيعة العملة أو نمط استخدامها، وإن كان لا يستبعد أن يفضل بعض المواطنين التعامل الرقمي إذا بقي إلى جانب النقد الورقي ولم يُفرض قسرًا.

من خطوة تقنية إلى مشروع سياسي

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يجري «ليس خطوة تقنية عابرة، بل مسار متكامل لنزع السيادة المالية عن الفلسطينيين».

moroc.jpg

الخبير الاقتصادي، أحمد أبو قمر

ويشير إلى أن الأمر يبدأ بمنع إدخال النقد ومحاولات تجميد فئات مالية كما طُرح سابقًا، وصولًا إلى فرض عملة رقمية لا تخضع لسيادة فلسطينية مطلقة ولا تمر عبر سلطة النقد.

ويحذر أبو قمر من أن نقل النشاط المالي إلى بيئة رقمية تتحكم ببنيتها التحتية أطراف خارجية يعني عمليًا تحويل المال من حق مكتسب إلى رصيد قابل للإدارة والتقييد برمجيًا. فكل معاملة، وفق هذا التصور، تصبح قابلة للرصد والتتبع، ما يفتح الباب أمام التجميد أو التعليق بقرار إداري واحد.

ويضيف أن الخطر لا يكمن فقط في إمكانية «منع المال»، بل في إعادة تشكيل الاقتصاد نفسه كشبكة شروط، بحيث تُربط الرواتب والمساعدات والخدمات الأساسية بدرجات الامتثال السياسي أو الأمني. وبهذا، تتحول التكنولوجيا المالية من وسيلة تحديث إلى أداة ضبط جماعي تعمّق التبعية الاقتصادية وتؤسس لمرحلة جديدة من هندسة السيطرة.

أما رامي عبده، رئيس «المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان»، فيذهب إلى توصيف أكثر حدة، معتبرًا أن المحافظ الرقمية قد تتحول إلى «جيل جديد من أسلحة الإبادة الجماعية الصامتة». ويقول إن إعادة تشكيل غزة كحيّز منزوع السيادة المالية عبر إلغاء النقد وفرض اقتصاد رقمي خاضع لجهات خارجية، قد تجعل الوصول إلى الغذاء والدواء والسكن رهين قرارات أمنية.

5857481887713004854.jpg

رئيس المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده

ويؤكد عبده أن العملة الرقمية، إذا لم تخضع لسيادة فلسطينية كاملة على البيانات والخوادم وأنظمة الدفع، يمكن أن تتحول إلى أداة مراقبة فورية وتقييد تعسفي وتجميد انتقائي للأموال، في ظل حصار واحتلال قائمين، ومن دون رقابة مستقلة أو آليات طعن فعالة.

ويحذر من أن تجميد المحافظ الرقمية أو وسم الأفراد بتصنيفات أمنية فضفاضة قد يؤدي إلى تعطيل وصولهم إلى أموالهم، ما يحوّل الحق في التصرف بالمال إلى امتياز قابل للسحب. كما يشدد على أن أي ترتيبات مالية في مرحلة إعادة الإعمار يجب أن تقوم على احترام القانون الدولي الإنساني وضمان السيادة الفلسطينية الكاملة على الموارد والأنظمة والبيانات.

اقرأ أيضًا: العملة الرقمية في غزة… بين كسر أزمة السيولة ومخاطر الوصاية والتسييس المالي

ويتفق الخبراء الثلاثة على أن الإشكالية لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في السياق السياسي والسيادي الذي ستُطبق فيه. فالعملة الرقمية في بيئة مستقلة قد تمثل خطوة نحو التحديث، لكنها في بيئة خاضعة لهيمنة خارجية قد تتحول إلى أداة رقابة وعقوبات وإعادة هندسة للاقتصاد والمجتمع.

وفي ظل غياب تفاصيل واضحة وضمانات قانونية ورقابية مستقلة، يبقى الجدل مفتوحًا حول مستقبل هذا المشروع، بين من يراه استجابة تقنية لأزمة السيولة، ومن يحذر من كونه تحولًا جذريًا في طبيعة السيطرة على المال والحياة اليومية في قطاع غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين