قائمة الموقع

حين نُخطئ العدو: نمنح الكيان فرصة أخرى؟

2026-03-05T08:28:00+02:00
فلسطين أون لاين

تأتي صواريخُ صُنعت بأيدٍ غربيةٍ، لتضربَ إيران؛ فتهتز المنطقة، لم تكن تلك لحظة عابره؛ كانت لحظة تكشف كيف ينهار الوهم القديم بأن المنطقة تستطيع أن “تقف على الهامش” بينما تُعاد هندسة توازنات القوة فوق رؤوسها. لكن ما يستحق التوقف أطول من تفاصيل الضربات هو ما تلاها من شواهد الوعي العربي والإسلامي: طريقة بناء الموقف. فيعود إلينا درسٌ قديم يتكرر في كل موجة توتر كُبرى: ما إن ترتفع حرارة الصراع حتى تطفو على السطح شواهد قلة جودة التفكير. لا لأن الناس لا تفهم، بل لأن “المخارج السهلة” تتكاثر: عناوين جاهزة، اصطفافات مريحة، وخطابات تُخدر الضمير أكثر مما تُفسّر الواقع ففي كل موجة تصعيد كبرى يتكرر السؤال نفسه، لا بصيغته الأخلاقية (ما العادل؟) ولا بصيغته السياسية (ما المصلحة؟)، بل بصيغته الأسهل: من الفاعل؟ وما كينونة المفعول به؟ ومن هنا يبدأ الانزلاق إلى (ثقافة التصنيف).

بداية الخلل عادةً لا تأتي من نقص المعلومات، بل من “الراحة” التي يمنحها التصنيف. بدل أن ننطلق من الفعل ذاته ونناقش المآلات المحتملة، من يدفع وسيدفع الثمن؟ وكيف ينعكس ذلك على ميزان القوى في المنطقة؟ ننطلق من بطاقة الهوية: (عربي/ فارسي)، (سنّي/ شيعي)، (قومي/ إسلامي/ إخواني). ثم تُستخرج من الهوية نوايا جاهزة، ومن النوايا أحكام جاهزة، ومن الأحكام مخرج جاهز: حيادٌ متعجل، أو شماتة، أو تبرير لعدم النصرة والمساعدة. بهذا المعنى يصبح التصنيف آلية للهروب من استحقاقات المرحلة، لا أداة لفهم السياسة وكيف يتشكل ميزان القوى في المنطقة.

كانت فلسطين أول المتضررين بهذه الثقافة، فتاريخ النضال والمقاومة الفلسطينية خصوصا والعربية عموما لم يكن يومًا قالبًا أيديولوجيًا واحدًا. فقد حُملت عبر مراحل طويلة تعبيرات قومية ووطنية ويسارية وإسلامية، وتبدلت لغتها وبرامجها بحسب الزمن والظرف. بل إن ما قبل قيام الكيان شهد أشكالًا محلية واجتماعية—عائلية وقبلية ومدنية—في مقاومة الاستيطان والانتداب ضمن سياقات زمانها.

ثقافة التصنيف، حولت المقاومة إلى "تهمة" بدل أن تكون عنوانًا للحق. مرة تُسحب الشرعية لأن الفاعل "يساري"، ومرة لأن الفاعل "إسلامي"، ومرة لأن الداعم "شيعي"، ومرة لأن الخلفية "وطنية"… ثم نكتشف أن النتيجة ثابتة مهما تبدلت الذريعة: إبعاد الذات عن اختبار فلسطين. وهنا تظهر حقيقة مهمة وبسيطة: نصرة الحق لا تتوقف على اللافتة؛ وواجب المساندة لا ينبغي أن يُعلّق على هوية الفاعل، بل يُبنى على جوهر القضية: شعب تحت احتلال يطالب بحقه في التحرر، ولا تتعرض لافتات المناضلين إلى التصنيف. وهذا بالضبط ما يمهّد للخلل الأكبر: استبدال العدو.

استبدال العدو يعني أن الاحتلال الإسرائيلي—بدل أن يبقى الأصل الذي تتفرع عنه أزمات المنطقة—يُزاح تدريجيًا إلى خانة "ملف ضمن ملفات"، بينما يتقدم "عدو بديل" إلى صدارة الوعي: إيران، الطائفة، الإسلام السياسي، القومية، التمدد.. إلخ، أي عنوان قادر على ابتلاع العنوان الأساسي. هذا ما يفعله الكيان منذ عقود، نقل الصراع من "وجودي" إلى "حدودي"، ثم من "فلسطيني-إسرائيلي" إلى " إيراني-إسرائيلي". إنه تحويل الصراع من أصل إلى فرع، ومن احتلال إلى توتر إقليمي. وبذلك تنجح إسرائيل في تقديم نفسها "شريكًا أمنيًا" ضد "تهديد آخر"، وبذلك خفّت كلفة كونها قوة احتلال، وسهلت لنفسها الدمج في ترتيبات المنطقة.

الطموح التوسّعي للكيان لا يحتاج إلى وثيقة رسمية كي يُفهم؛ أحيانًا يكفي ما يُعرض على العالم من رموز، فنتنياهو قدّم خرائط تمحو فلسطين عمليًا وتعيد تشكيل الصراع عبر وضع "التهديد الإيراني" في مركز الخطر، أما سموترتش الأخر فقعد عرض أمام العالم خريطة "إسرائيل الكبرى" بما تحمله من إيحاءات تتجاوز الحدود المعترف بها وتُنكر الفلسطيني والعربي بوصفه صاحب حق. ثم جاءت تصريحات الراعي الأكبر السفير الأميركي لدى الكيان مايك هاكابي المتساهلة والمباركة لسردية "من النيل إلى الفرات" لتمنح هذا المزاج غطاءً إضافيًا.

أما على الأرض، فسياسات الاستيطان والضم الزاحف ومحاولات تفريغ غزة من أهلها، واحتلال مناطق كبيرة في سوريا الجديدة، وكذلك لبنان، كل ذلك يوضح لنا حقيقة لا مناص عنها، كلما خفت صوت القضية الفلسطينية، وظنت إسرائيل أنها قادرة على أهلها، ولا معين خارجي لهم، أدى ذلك إلى تمددها.

إذا كانت هذه هي صورة (الخصم) كما تظهر في خطاب الخرائط والوقائع، فإن سؤال المصلحة العربية والإسلامية هو الأهم والذي لا يُجاب عنه بالشعارات ولا بالانفعالات، بل بمنطق بسيط: أيّ ميزان قوة نريد؟ ليس المطلوب أن تُدار المنطقة على قاعدة “من نكره أكثر”، بل أن تمتلك الدول العربية والإسلامية—فرادى وجماعة—القدرة على تغيير ميزان القوة لصلحهم الأمر الذي يلجم الكيان ويكسر طموحها ويبقي مشكلتها وصراعها داخل فلسطين، فيكسر هذا التوازن أدوات تلاعبها في المنطقة، وإما يتم إضعاف إسرائيل إلى الدرجة التي لا يبقى لها مفر من الالتزام بالحقوق الفلسطينية. وفي أي من الحالتين (تقوية المحيط، أو إضعاف الكيان) لابد من تفعيل أدوات القوة، عبر تحالفات عسكرية وسياسية، ودبلوماسية منسقة، تحالفات تُدار على أساس فلسطين لا على أساس “العدو البديل”، الذي يُنتظر حاليا سقوطه.

الرهان الذي تسرب إلى حسابات بعض العواصم العربية: سقوط إيران كحل سحري لكل المشاكل، وكأن زوال الخصم الإقليمي سيفتح الطريق أمام علاقات مريحة مع ترامب ونتنياهو، ويخلو لهم وجه الغرب. هذا وهم خطير يفضحه منطق الجغرافيا والتاريخ معًا. لأن الكيان لا يعمل ضمن حدود مرسومة، بل ضمن مشروع يقرأه قادته علنًا على الخرائط: لم يعد يقبل بشعار من النهر إلى البحر، بل من النيل إلى الفرات. من يعتقد أن الكيان سيتوقف عند إيران، أو أنها سترضى بفلسطين وحدها، ينسى أن شهية التوسع لا تشبع، وفرط القوة لا حدود لها، فعد سقوط إيران فما حدود القوة العربية التي ستمنع الكيان من الوصول لنهر الفرات، وخطط محاصرة مصر والسعودية جاهزة في الأدراج بدأت بتواجد الكيان في أرض الصومال، الأمر الذي يعبر خطوة أولى لإضعاف مصر والسعودية على طريق اقتطاع أجزاء منها لبناء (إسرائيل الكبرى).

الرهان على سقوط إيران—أو أي خصم إقليمي آخر—لحل مشاكل العرب هو بمثابة منح إسرائيل غطاءً إضافيًا لمواصلة مشروعها. لأن تفكيك "العدو البديل" لا يعني تفكيك الاحتلال، بل غالبًا ما يعني تفريغ الساحة من أي قوة قادرة على موازنة إسرائيل أو ردعها. وهذه هي المفارقة المأساوية: من ينتظر أن يحل له ترامب ونتنياهو مشاكله بإزاحة خصم، سيكتشف لاحقًا أنه جعل نفسه أكثر انكشافًا، وأسرع في قائمة الانتظار للالتها والتوسع.

الخدمة الكبرى التي يمكن أن تقدمها دول وشعوب المنطقة لفلسطين والمنقطة تبدأ بالخروج من "حالة الراحة الذهنية" التي تنتج الأحكام الجاهزة وتعيد إنتاج التصنيفات المريحة. فالوعي هو بوابة القوة، والخطاب الموحد هو أساسها، وعليهم أن يعيدوا تعريف المصلحة الذاتية للمنطقة بطريقة لا تنفصل عن فلسطين، وكذلك استعادة تعريف المشكلة. فحين تُسرق البوصلة ويُستبدل العدو، تنخفض كلفة إسرائيل تلقائيًا: تُخفف مساءلتها، ويُعاد تقديمها كطرف "لا غنى عنه" في ترتيبات أمنية جديدة، وتصبح فلسطين ملفًا مؤجلًا قابلًا للمساومة. الأمر الذي يدفع إسرائيل إلى الاعتقاد أنها حسمت ملف فلسطين مع الإقليم وبدأت تتطلع لما بعد فلسطين.

لهذا ينبغي أن تُقال الخلاصة بوضوح: أصل المشكلة في المنطقة هو (الكيان الصهيوني) بوصفه مشروع احتلال واستيطان زاحف، وقاعدة متقدمة للغرب في قلب العالم العربي. ليست المشكلة "مزاجًا إيرانيًا" ولا "طائفة" ولا "قومية" ولا "أيديولوجيا"—مهما كانت هذه العناوين صاخبة—فهذه كلها تتضخم حين تُفقد البوصلة، وتنكفئ حين يعود الأصل إلى مكانه. وكلما ظهرت حقيقة الاحتلال إلى السطح، واختفت الخطابات التي تُبعد النظر عنها؛ كان ذلك أنفع لمصالح المنطقة، وأنفع لفلسطين ذاتها.

هنا لا بد من الاعتراف بحقيقة قد تكون غير مريحة لبعض الخطابات، لكنها ضرورية لأي وعي ناضج: الاختلافات بين دول المنطقة وقواها—سواء مع إيران أو تركيا، أو مع حماس، أو مع حزب الله، أو مع أي فاعل آخر—ليست طارئة ولا شاذة، ليس المطلوب من أحد أن يتبنى لونًا معينًا من النضال أو أيديولوجيا بعينها، ولا أن يصمت عن أخطاء أو يتنازل عن قناعاته، بل علينا فهم المنطقة جيدا والاعتراف بأن التنوع فيها جزءٌ أساسي بل وعنصر مهم في تركيبتها، هكذا فهمها المحرر الأول.

ضم صلاح الدين الأيوبي، في صفوف جيشه العرب، الكرد، الترك، الأمازيغ، السنة، الشيعة الإمامية، بل وحتى من المسيحين العرب، وكثيرٌ من المتطوعين، هؤلاء لم يتفقوا على كل شيء، ولم يكونوا نسخة واحدة من الإيمان أو السياسة، أو حتى الجغرافيا، لكنهم اتفقوا على شيء واحد: منْ يحتّل الأرض، ومنْ يستحق أن يكون الهدف. ذلك التنوع لم يكن نقطة ضعف، بل كان مصدر قوة وغنى، لأنهم استطاعوا أن يعوا أن العدو لا يُهزم بخطابات فكرية مشتتة، بل بإرادة موحدة سياسيًا، حتى وإن لم تتفق فكريا.

الاختلافات ستبقى، وهذا طبيعي وصحي. لكن الرهان الخاسر هو أن نسمح لهذه الاختلافات بأن تتحول إلى يافطات تحجب رؤية العدو، وإلى ذرائع مريحة تُسقط عنا واجب النصرة. فلسطين ليست قضية ننصرها بعد أن نتفق على كل شيء. فلسطين هي بالضبط ما يمكن أن نتفق حوله رغم اختلافنا على كل شيء. هي الأرضية المشتركة التي تتسع للجميع، كما وسعت جيش المحرر الأول.

الخيار أمامنا واضح: إما أن تظل هذه المنطقة أسيرة ثقافة التصنيف، تتبادل الاتهامات حتى يأكلنا الكيان قطعة قطعة. وإما أن ننضج بما يكفي للاعتراف بأن الاختلافات طبيعة، والعدو واحد، وأن فلسطين هي البوصلة التي إنْ ضبطناها، ضبطنا كل شيء، الاختلافات باقية. فلنتركها في مكانها الطبيعي: جانبًا، بينما نركز جميعًا على العدو الحقيقي. هذا هو النضج السياسي المطلوب. هذه هي استعادة البوصلة.

اخبار ذات صلة
غزة ومأثرة أخرى
2026-02-23T08:17:00+02:00