قائمة الموقع

المغامرة الإسرائيليَّة ضدَّ إيران... خسائر بشريَّة وسياسيَّة واستراتيجيَّة ثقيلة

2026-03-04T15:16:00+02:00
آثار سقوط صاروخ إيراني على ملجأ في مجمع سكني في مدينة بيت شيمش غربي القدس المحتلة
فلسطين أون لاين

في خضم العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، تدفع دولة الاحتلال ثمناً باهظاً، إذ إنها تواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة الضربات الإيرانية لعُمق المدن الفلسطينية المحتلة، تنعكس انعكاسًا مباشرًا على المجتمع الإسرائيلي وسياسته الداخلية.

وأظهرت الهجمات الإيرانية على دولة الاحتلال تأثيرات جلية، ولا سيّما أن ردود فعلها لا تحقق استقراراً فورياً، بل تفتح أبواباً لخسائر بشرية ومادية تكشف محدودية قدرتها على فرض السيطرة.

ويرى مراقبون، أن استمرار الحرب الدائرة وتلقي دولة الاحتلال مزيداً من الضربات الإيرانية، سيكلفها أثماناً كبيرة على المستويين السياسي والاستراتيجي، خصوصاً في ظل حالة الانقسام الداخلي في المجتمع الإسرائيلي، وزيادة الانتقادات الموجهة لنتنياهو بجر (إسرائيل) نحو مغامرة عسكرية محفوفة المخاطر.

طالع المزيد: حرب الاستنزاف تضغط الاقتصاد الإسرائيليَّ... عجز متصاعد ودين عام مثقل

يقول الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش، إن هذه الحرب تمثل "الحرب التي خطط لها وتمناها بنيامين نتنياهو"، في إطار سعيه لإقحام الولايات المتحدة في مواجهة مفتوحة مع إيران، انطلاقاً من اعتبار (تل أبيب) أن طهران تمثل الخطر المركزي والعقبة الرئيسية أمام مشروعها في الشرق الأوسط.

الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش

ويوضح أبو غوش لصحيفة "فلسطين"، أن الرواية الإسرائيلية حول "الخطر الوجودي" الإيراني تتجاهل وجود مقاومات محلية في فلسطين والمنطقة، مؤكداً أن تصوير إيران باعتبارها المصدر الوحيد للتهديد "ينطوي على تبسيط سياسي يخدم أهداف الحرب".

ويرى أن شعار "القضاء على النظام الإيراني" يعكس سقفاً دعائياً مرتفعاً، في حين أن تجارب التاريخ تثبت – بحسب قوله – أن الأنظمة لا تُسقط بضربات جوية فقط.

ويستشهد أبو غوش بما طرحه الكاتب الإسرائيلي نحوم برنياع، الذي اعتبر أن الحديث عن إسقاط النظام الإيراني "مجرد أمنيات". فكلما طال أمد الصمود الإيراني، تزداد احتمالات انكشاف هشاشة (إسرائيل) وتراجع صورة تفوقها العسكري، ما ينعكس على مكانتها لدى الرأي العام الأميركي، حيث تتصاعد أصوات تتهم (تل أبيب) بجرّ واشنطن إلى حرب لا تخدم أولوياتها الاستراتيجية.

ويعتقد أبو غوش أن لدى الولايات المتحدة خيارات أقل كلفة، مثل احتواء البرنامج النووي الإيراني، بينما تميل دولة الاحتلال إلى توسيع المواجهة. ويحذر من أن استمرار الحرب قد يعزز صورة (إسرائيل) كدولة تعتاش على الصراعات، ما يفاقم عزلتها الدولية ويعمّق حملات المقاطعة ضدها، خاصة في ظل اتهامات متزايدة لها بارتكاب انتهاكات جسيمة في غزة والضفة ولبنان.

ويضيف أن الدعم الأميركي الضخم – الذي قُدّر بعشرات مليارات الدولارات في عهدي الرئيسين دونالد ترامب وجو بايدن – خفف الأعباء الاقتصادية عن (إسرائيل)، ما يجعلها أقل شعوراً بكلفة الحروب المباشرة. غير أن هذا الواقع لا يحجب، برأيه، الأثمان السياسية والمعنوية البعيدة المدى، إذ "صورة (إسرائيل) كدولة حروب تتآكل، وتصحيحها قد يحتاج إلى عقود".

على الصعيد الداخلي، يتوقع أبو غوش تداعيات عميقة على المجتمع الإسرائيلي، في ظل تصاعد معدلات الهجرة العكسية خلال العامين الأخيرين، وهيمنة التيار الديني القومي، وأزمة الانقسام حول ما يُعرف بـ"الانقلاب القضائي". ويرى أن استمرار نظرية نتنياهو القائمة على أن "السلام يُفرض بالقوة" قد لا تصمد طويلاً أمام واقع إقليمي متغير وشعوب ترفض الإخضاع الدائم.

من جانبه، يعتبر المختص في الشأن الإسرائيلي عمر جعارة، أن الحرب تتجاوز حدود الاشتباك العسكري لتلامس صراعاً على الهيمنة في الشرق الأوسط. فـ(إسرائيل) – وفق تحليله – ترى نفسها القوة المهيمنة في الإقليم، فيما تسعى إيران إلى توسيع نفوذها، ما يجعل المواجهة الحالية اختباراً لموازين القوى وليس مجرد جولة عسكرية عابرة.

ويحذر جعارة خلال حديثه لـ "فلسطين" من أن أي خسائر إسرائيلية، سواء في الأرواح أو الممتلكات، تُحدث صدمة في مجتمع غير معتاد على الحروب طويلة الأمد، وتكشف حدود القوة العسكرية. كما يشير إلى أن الثقة بقيادة نتنياهو تتآكل في أوساط واسعة من الإسرائيليين، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة وما خلّفته من أزمات أخلاقية وسياسية دولية.


المختص في الشأن الإسرائيلي عمر جعارة

ويرى أن الحروب لا تُقاس بحجم النيران، بل بتحقيق الأهداف الاستراتيجية. وإذا لم تتمكن (إسرائيل) من فرض نتائج واضحة، فإن ذلك سيُعدّ تآكلاً في مشروعها السياسي، خصوصاً مع تنامي الخلافات الداخلية والتوترات بين التيارات اليمينية والليبرالية، وتفاقم الأزمات الاجتماعية داخل الخط الأخضر.

في المحصلة، تبدو الحرب على إيران مقامرة عالية المخاطر. فبين رهانات الهيمنة الإقليمية، والسعي لتثبيت معادلات ردع جديدة، تقف (إسرائيل) أمام تحدي الحفاظ على صورتها كقوة قادرة على الحسم، دون أن تنزلق إلى استنزاف طويل يفاقم عزلتها ويعمّق انقسامها الداخلي.

 

 

اخبار ذات صلة