لا يمكن فصل العدوان الإسرائيلي على لبنان عن سياق إقليمي أوسع يتسم بتصاعد الاعتداءات وتداخل الجبهات، مع انخراط أمريكي مباشر يعمّق منسوب التوتر ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر هشاشة على المستويين السياسي والإنساني- بحسب ما يراه خبيران سياسيان.
ويرى الخبيران أن ما يجري يعكس محاولة إسرائيلية لإعادة تثبيت معادلات ردع عبر توسيع نطاق العمليات العسكرية، مستفيدًا من بيئة إقليمية مضطربة تمنح هامشًا أكبر للحركة، في وقت تسعى واشنطن إلى إدارة توازنات المنطقة بالقوة، بما يكرّس حضورها ونفوذها.
طالع المزيد: لبنان: شهداء وجرحى بغارات إسرائيلية وحزب الله يدكُّ تجمعات الاحتلال
وأكدا أن الكلفة الإنسانية ستكون العنوان الأبرز لأي توسع في المواجهة، سواء عبر موجات نزوح جديدة أو ضغوط اقتصادية إضافية على مجتمعات تعاني أصلًا من أزمات خانقة، مشددين على أهمية الحفاظ على خطاب وحدوي جامع يعكس التضامن الشعبي الفلسطيني مع لبنان، ويركز على حماية الجبهات الداخلية وتعزيز صمود المجتمعات، بعيدًا عن الانفعال أو الاصطفافات الحادة، مع التأكيد أن مواجهة منطق القوة لا تكون إلا بوعي سياسي متزن وتحرك دولي جاد يعيد الاعتبار للقانون الدولي ويحد من دوائر التصعيد.
إعادة تثبيت الردع
ويرى المحلل السياسي طلال عوكل أن العدوان الإسرائيلي على لبنان يعكس محاولة لإعادة تثبيت صورة الردع الإسرائيلي في المنطقة بعد سلسلة من الإخفاقات والتحديات التي واجهتها دولة الاحتلال في أكثر من ساحة.
وقال عوكل لصحيفة "فلسطين": "(إسرائيل) تلجأ إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية كلما شعرت بتآكل قدرتها على فرض معادلاتها، وهي تدرك أن البيئة الإقليمية المضطربة تمنحها هامشًا أوسع للتحرك".
المحلل السياسي طلال عوكل
وأضاف عوكل أن العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران أسهم في تفجير المشهد الإقليمي، موضحا: "عندما تنخرط الولايات المتحدة بشكل مباشر في التصعيد، فإن الرسالة تتجاوز إيران إلى مجمل المنطقة. هذا يعكس استمرار الهيمنة الأمريكية ومحاولة إدارة التوازنات بالقوة، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من عدم الاستقرار".
وحول العلاقة بين الجبهة اللبنانية وغزة، قال عوكل: "هناك ترابط سياسي واضح، فكلتا الساحتين تتأثران بالتحولات الإقليمية ذاتها. لكن من المهم التعامل مع هذا الترابط بعقلانية، لأن المبالغة في تصوير المشهد قد تخلق حالة هلع غير مبررة. المطلوب قراءة واقعية توازن بين التضامن المشروع والحفاظ على الاستقرار الداخلي".
وأكد أن التضامن الشعبي الفلسطيني مع لبنان يعكس إدراكًا عميقًا لوحدة المصير، مضيفًا: "الشعوب تدرك أن ما يجري في بيروت أو الجنوب اللبناني ليس بعيدًا عن غزة أو الضفة الغربية. لكن هذا التضامن يجب أن يُترجم بخطاب وحدوي جامع يركز على الحقوق والعدالة، لا على الانقسام أو الاصطفاف الحاد".
وأشار عوكل إلى أن النتائج السياسية للعدوان قد تكون بعيدة المدى، "إذ إنه يعيد طرح أسئلة حول قواعد الاشتباك الإقليمية، ومستقبل الردع، ودور القوى الدولية. أما إنسانيا"، فإن أي تصعيد واسع سيضاعف أزمات النزوح ويزيد من هشاشة الاقتصادات المحلية". وختم بالقول: "الرهان الحقيقي ليس على اتساع المواجهة، بل على قدرة المجتمعات على الصمود، وعلى تحرك سياسي دولي جاد يكبح منطق القوة ويعيد الاعتبار للقانون الدولي".
طالع المزيد: الأمم المتحدة: ما يقارب 30 ألف نزحوا في لبنان إثر العدوان الإسرائيلي
اعتداءات متكررة
ويقول الكاتب والمحلل السياسي اللبناني قاسم قصير لـ"فلسطين": إن العدوان الإسرائيلي على لبنان لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع من الاعتداءات المتكررة التي طالت دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة، معتبرا أن ما يجري "يمثل حلقة جديدة في سلسلة من السياسات العسكرية التي تعتمدها (إسرائيل) بدعم أمريكي مباشر، بهدف إعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض معادلات ردع تخدم مشروع الهيمنة الإقليمي".
الكاتب والمحلل السياسي اللبناني قاسم قصير
وأضاف قصير: "الاعتداء على لبنان ليس حدثا منفصلا أو رد فعل ظرفي، بل يأتي في إطار استراتيجية إسرائيلية تقوم على استثمار كل لحظة توتر إقليمي لتوسيع هامش الحركة العسكرية والسياسية. وعندما يتزامن ذلك مع عدوان أمريكي–إسرائيلي على إيران، فإننا أمام مشهد إقليمي مفجَّر يعكس حجم النفوذ الأمريكي في إدارة الصراعات وتوجيهها بما يخدم أولوياته الجيوسياسية".
وأوضح أن الترابط بين الجبهة اللبنانية وقطاع غزة هو ترابط سياسي واستراتيجي أكثر منه ترابطا ميدانيا مباشرا، قائلا: "هناك تداخل في الحسابات، لكن لا ينبغي تضخيم الأمور أو إشاعة الذعر. ما يجمع الساحتين هو وحدة السياق السياسي، أي أن أي تصعيد في إحداهما ينعكس ضغطًا سياسيًا وأمنيًا على الأخرى، دون أن يعني ذلك بالضرورة توسعًا فوريا للمواجهة".
وأشار قصير إلى أن النتائج الإنسانية للعدوان على لبنان ستكون ذات أولوية في المرحلة المقبلة، "إذ إن استهداف البنى التحتية والمناطق السكنية سيؤدي إلى موجات نزوح جديدة وأعباء اقتصادية ثقيلة، في وقت تعاني فيه الدولة اللبنانية من أزمة مالية خانقة. وهذا ما يضاعف خطورة العدوان، لأنه لا يستهدف فقط مواقع عسكرية، بل يصيب المجتمع بأكمله".
وختم بالقول: "ما تحتاجه المنطقة اليوم هو خطاب وحدوي جامع يبتعد عن الانفعال ويؤكد التضامن الشعبي بين الفلسطينيين واللبنانيين وسائر شعوب المنطقة. التضامن ليس شعارا عاطفيا، بل وعيا مشتركا بأن استقرار أي ساحة عربية يرتبط باستقرار الأخرى، وأن مواجهة الهيمنة لا تكون بالفوضى، بل بتعزيز صمود المجتمعات وحماية جبهاتها الداخلية سياسيًا واجتماعيا".