في طريقه اليومي إلى المصلى القريب من منزله في حي الصبرة جنوب مدينة غزة لأداء صلاة التراويح، يضطر المواطن جمال الطيب إلى سلوك شارع تتكدّس فيه أكوام القمامة، بعدما تحوّل ما تبقّى من منزلٍ مدمّر إلى مكبّ عشوائي للنفايات. حاول البحث عن طريق بديل، حتى وإن كان أطول، لكنه اصطدم بالمشهد ذاته: قمامة مكدّسة على جانبي الطريق، تنبشها الكلاب الضالة، وروائح كريهة تملأ المكان.
مشاهد باتت مألوفة
هذه الصور لم تعد استثناءً، بل أصبحت مشهدًا معتادًا في معظم مناطق قطاع غزة، في ظل صعوبات كبيرة تواجهها البلديات في إزالة النفايات، نتيجة ضعف الإمكانات وتدمير الاحتلال غالبية المعدات خلال الحرب.
ويقول الطيب (52 عامًا) إن تكدّس القمامة ازداد بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، ما يشكّل هاجسًا يوميًا له، يبدأ بالخوف من الأمراض ولا ينتهي عند القلق من ملامسة المياه الآسنة المتسرّبة منها. ويضيف: "لم نعد نخشى الرائحة أو المنظر فقط، بل نخاف على صحتنا وصحة أطفالنا. أحاول أن أحبس أنفاسي وأسرع الخطى، لكن القلق يرافقني حتى أصل إلى المصلى".
ولا يختلف حال آلاف السكان عن حال الطيب، إذ تحوّلت مساحات واسعة بين المنازل، خصوصًا في المناطق التي دُمّرت فيها البيوت وبقيت أراضٍ مفتوحة، إلى نقاط تجميع عشوائية للنفايات. وأصبحت هذه المواقع بيئة مثالية لتكاثر الحشرات والقوارض، فضلًا عن الكلاب الضالة التي تنثر المخلفات على نطاق أوسع.
ويشير الطيب إلى أن طواقم البلدية تجمع النفايات بين الحين والآخر، غير أن المشهد سرعان ما يتكرر بسبب استمرار إلقاء المخلفات في المواقع ذاتها.
مخاطر صحية متفاقمة
ولا تقتصر الأخطار على المارة، بل تطال السكان القاطنين قرب مكبّات النفايات. عادل نصار (45 عامًا)، الذي يسكن في الطابق الأرضي من عمارة لا تبعد سوى أمتار عن أحد تجمعات القمامة، يشكو من تزايد الحشرات، خصوصًا البعوض، إضافة إلى الفئران التي تدخل شقته وتتلف محتوياتها.
ويقول نصار إن أطفاله يعانون من حالات حساسية متكررة بسبب انتشار البعوض، معربًا عن خشيته من إصابتهم بأمراض أكثر خطورة في ظل تزايد القوارض التي تتسلل إلى المنازل.
تحذيرات بيئية
من جانبها، حذّرت الباحثة في الهندسة الكيميائية والبيئية الدكتورة إسلام الهبيل من تداعيات خطيرة لتراكم النفايات في الشوارع ومحيط أماكن النزوح، مؤكدة أن ذلك يهدد الصحة العامة بشكل مباشر.
وأوضحت أن تكدّس النفايات يؤدي إلى تسرب الملوّثات إلى الخزانات الأرضية ومصادر المياه الجوفية الضحلة، التي تُعد من أهم مصادر المياه في غزة. وأضافت: "العصارة الناتجة عن تحلل النفايات تحمل كميات مرتفعة من البكتيريا والفيروسات والنترات والأمونيا والمعادن الثقيلة، ويزداد الخطر في ظل الاعتماد الكبير على الآبار الضحلة، وضعف المعالجة، وتضرر شبكات الضخ، ما يرفع احتمالات انتقال الممرضات إلى مياه الشرب".
مناشدة عاجلة
في السياق ذاته، ناشدت بلدية غزة المجتمع الدولي والمنظمات الأممية توفير الاحتياجات الطارئة للحد من الكارثة الصحية والبيئية الناتجة عن تراكم النفايات، وتقليل مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة والحشرات والقوارض.
وأوضحت البلدية أن كميات النفايات ترتفع خلال شهر رمضان بسبب زيادة معدلات الاستهلاك، في وقت تعجز فيه عن تنفيذ الجمع الليلي نتيجة الأوضاع الأمنية ونقص الإمكانات المادية.
وأكدت أن أبرز الاحتياجات تتمثل في توفير الآليات والوقود والمشاريع التشغيلية اللازمة، إضافة إلى تمكين طواقمها من الوصول إلى المكبّ الرئيس في منطقة جحر الديك شرق المدينة، لنقل النفايات المتكدسة من قلب الأحياء السكنية والتخفيف من المخاطر المتفاقمة.