لا يمكن حصر فهم العدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران في زاوية عسكرية أو جيوسياسية فقط، بل ينبغي قراءته في ضوء البعد الديني الذي يتسلل إلى الخطاب السياسي المصاحب له. فالمفردات ذات الطابع اللاهوتي والرموز التوراتية والإنجيلية لم تعد مجرد أدوات بلاغية، بل تحولت إلى عناصر توظيف سياسي تمنح الصراع بعدا أخلاقيا وعقائديا، وتُستخدم لتعبئة الرأي العام وإضفاء شرعية على السياسات المتبعة.
ويرى خبيران سياسيان أن هذا الخطاب يعكس تداخلا أيديولوجيا عابرا للحدود، يتجلى في التلاقي بين التيارات الدينية المتشددة في إسرائيل واليمين المسيحي الإنجيلي في الولايات المتحدة، ما يضفي على الصراع أبعادا تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية، وحذرا من أن تأطير المواجهة ضمن سرديات دينية مفتوحة من شأنه تعميق الاستقطاب وإطالة أمد النزاعات، الأمر الذي يقوض فرص التسويات السياسية ويهدد استقرار المنطقة على المدى البعيد.
حرب دينية
ويرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل لصحيفة "فلسطين" أن قراءة العدوان على إيران لا يمكن أن تقتصر على الأبعاد العسكرية أو الجيوسياسية فقط، بل يجب التوقف عند البعد الديني الكامن في الخطاب السياسي الذي يرافقه، خصوصا في الولايات المتحدة ودولة الاحتلال.

الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل
وأشار عوكل إلى أن مفردات مثل "أرض الميعاد"، و"حرب الخير ضد الشر"، و"المهمة المقدسة لحماية الحضارة" ليست مجرد تعبيرات دعائية، بل تحمل جذورا لاهوتية توراتية وإنجيلية يجري توظيفها سياسيا لتبرير العنف وإضفاء شرعية أخلاقية عليه.
وأكد أن هذا الخطاب يعكس تقاطعا أيديولوجيا بين الصهيونية الدينية اليهودية واليمين المسيحي الإنجيلي المتطرف في الولايات المتحدة، حيث ينظر كلا التيارين إلى الشرق الأوسط باعتباره مسرحا لتحقيق نبوءات دينية، مضيفاً أن "الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل لا يمكن فهمه بمعزل عن تأثير التيار الإنجيلي الصهيوني في دوائر صنع القرار، وهو تيار يرى في الصراع مسارا ذا أبعاد عقائدية تتجاوز السياسة التقليدية".
ويستحضر عوكل تصريحات رئيس حركة حماس في غزة السابق الشهيد يحيى السنوار التي أكد فيها أن الحرب تحمل بعدا دينيا، موضحا أن طبيعة الخطاب الصادر عن قيادات اليمين الإسرائيلي المتطرف، وما يتضمنه من استدعاء للنصوص التوراتية والرموز الدينية، يعزز هذا الطرح ويؤكد أن الدين يُستخدم كأداة تعبئة سياسية وأيديولوجية.
وحذر من أن تحويل الصراع إلى إطار عقائدي مفتوح يهدد بإشعال المنطقة لعقود، لأن الحروب ذات الطابع الديني تكون أكثر صعوبة في الاحتواء وأكثر قابلية للتطرف والتوسع، مضيفاً أن هذا المسار يقوض فرص التسويات السياسية ويغذي الاستقطاب الطائفي والإيديولوجي في المنطقة.
وشدد عوكل على أن توصيف ما جرى كعدوان مكتمل الأركان ضمن تحالف أميركي–صهيوني لا يجب أن يتحول إلى خطاب تعبوي، بل إلى تحليل موضوعي لطبيعة الخطاب المقابل وأدواته، لأن فهم البعد الديني في الخطاب السياسي يساعد على تفسير السياسات المستقبلية واستشراف المخاطر التي تهدد استقرار الإقليم.
توظيف الرموز الدينية
بدوره، قال الخبير في الشأن الإسرائيلي إبراهيم أبو جابر لصحيفة "فلسطين" إن الخطاب السياسي الصادر عن قيادات اليمين الإسرائيلي خلال التصعيد ضد إيران "يكشف عن توظيف متزايد للرموز الدينية والتوراتية في توصيف الصراع، وهو توظيف لم يعد مقتصرا على الخطاب الداخلي، بل أصبح جزءا من الرسائل الموجهة إلى المجتمع الدولي".
وأشار إلى أن استخدام مصطلحات مثل "معركة الوجود"، و"حماية شعب إسرائيل"، و"التهديد الفارسي" يستند إلى سرديات تاريخية ودينية تعيد إنتاج الصراع في إطار توراتي يتجاوز الواقع السياسي المعاصر.

الخبير في الشأن الإسرائيلي إبراهيم أبو جابر
ورأى أبو جابر أن هذا الخطاب ينسجم مع صعود الصهيونية الدينية داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في (إسرائيل)، حيث أصبح قادتها شركاء أساسيين في صنع القرار، مضيفاً أن التلاقي مع اليمين المسيحي الإنجيلي في الولايات المتحدة يمنح هذا الخطاب بعدا عابرا للحدود، إذ يشترك الطرفان في رؤية لاهوتية تعتبر (إسرائيل) جزءا من مشروع ديني تاريخي.
ولفت النظر إلى أن تصريحات بعض قادة اليمين الإسرائيلي، التي تستحضر مفاهيم "الحرب المقدسة" أو "المعركة بين النور والظلام"، تعكس انتقال الخطاب من لغة الأمن القومي إلى لغة ذات دلالات عقائدية.
ويختتم بالتأكيد أن توصيف العدوان باعتباره جزءا من تحالف أميركي–صهيوني يستهدف إعادة تشكيل الإقليم يجب أن يُقرأ ضمن تحليل الخطاب السياسي والديني المستخدم، لا بوصفه خطابا تحريضيا، لأن تفكيك اللغة الأيديولوجية المستخدمة يكشف طبيعة الأهداف الاستراتيجية، ويساعد على استشراف مسارات الصراع وتأثيراته المستقبلية على استقرار المنطقة.


