قائمة الموقع

إعادة إنتاج التفوق الإقليمي: الضربة الأمريكية–الإسرائيلية لإيران في ضوء الواقعية الهجومية ونظرية الردع

2026-03-01T08:15:00+02:00
فلسطين أون لاين

بدأت كل من الولايات المتحدة الأمريكية و "اسرائيل" هجومًا جويًا على اهدافٍ محددة مسبقًا في قلب العاصمة الإيرانية طهران، وقد عمدت على اغتيال عدد من المسؤولين الإيرانيين البارزين في الحرس الثوري الايراني وغيره من المؤسسات التابعة للجمهورية الاسلامية في ايران، حيث اظهرت "اسرائيل" تفاؤلًا حذر في بداية العملية دون أن تتضح النتائج بشكلٍ مباشر.

وكان الرئيس الامريكي دونالد ترمب قد علّق في رسالةٍ مسجلة نشرها على موقع Truth social أن بلاده شنت عملية ضخمة ومستمرة ضد الجمهورية الاسلامية في ايران، متعهدًا بضمان عدم انتاج ايران للسلاح النووي، حيث يعتبر الاخير مصدر تهديدٍ حقيقي على "اسرائيل"، فيما تعمل الأخيرة على تحريض الولايات المتحدة الأمريكية على توسيع الحرب بعد بدءها حيث كانت الضربة الامريكية لايران بمثابة الطموح "الاسرائيلي" في المنطقة، فما ان تحقق حتى أظهرت بعض المؤشرات السياسية والإعلامية الإسرائيلية نزوعًا نحو توسيع نطاق الردع الإقليمي "الاسرائيلي" وترسيخًا للهيمنة الأمريكية على العالم.

من منظور الواقعية الهجومية كما صاغها جون ميرشايمر، فإن سلوك الولايات المتحدة و”إسرائيل” يمكن تفسيره باعتباره محاولة لتعظيم القوة النسبية ومنع ظهور قوة إقليمية منافسة قادرة على تعديل ميزان القوى في الشرق الأوسط.

فالدولة، وفق هذا المنظور، لا تسعى فقط للأمن بل للهيمنة الإقليمية ومنع الآخرين من بلوغ عتبة الردع الاستراتيجي التي تُقيّد حرية حركتها. وعليه، فإن منع إيران من امتلاك قدرة نووية لا يُقرأ فقط كإجراء دفاعي، بل كخطوة لإدامة التفوق الاستراتيجي ومنع انتقال ميزان القوى لصالح طهران.

أما في إطار نظرية الردع، فإن الضربة يمكن فهمها كرسالة ردعية مركّبة، هدفها إقناع إيران بأن كلفة الاستمرار في برنامجها أو دعمها الإقليمي ستتجاوز المكاسب المتوقعة. غير أن فعالية الردع هنا تبقى مرهونة بمدى اقتناع الطرف المقابل بمصداقية التهديد واستعداد الطرف الضارب لتحمل تبعات التصعيد.

الموقف الميداني:

لم تتراجع الجمهورية الإسلامية في ايران عن مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية، ما أوصلها للنقطة الحرجة التي فرضت عليها الحرب على فتراتٍ متباعدة بعد انطلاق معركة طوفان الاقصى في اكتوبر ٢٠٢٣، وعليه فقد يدأت العملية الحالية باسم (الفجر الصادق ٣ - خاتمة الطوفان)، حيث وسعت ايران رقعة استهدافاتها حول الخليج العربي، فلم تكتفي باستهداف قاعدة العديد في قطر بل تعدى ذلك ليصل الى مناطق مركزية في كل من البحرين والسعودية والإمارات وغيرها من البلدان التي فتحت أجواءها امام سلاح الجو الامريكي و"الاسرائيلي" لتكون عرضةً للاستهداف المباشر، ما ينذر بتوسع الحرب وعدم انضباطها على عكس توقعات الساسة والعسكريين الامريكيين و "الاسرائيليين" المتداولة في الاعلام، حيث من المتعارف عليه أن الحرب سريعة التفلت، سريعة التقلب.

وفق الواقعية الهجومية، فإن توسيع إيران لدائرة الاستهداف يُفهم كمحاولة لرفع كلفة التحالف المعادي لها، عبر تحويل الصراع من مواجهة ثنائية إلى بيئة إقليمية متعددة الجبهات؛ فالدولة التي تتعرض لضربة مباشرة تسعى إلى إعادة توازن الردع عبر توسيع نطاق التهديد، بما يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي لدى خصومها.

ومن زاوية الردع المتبادل، يمكن اعتبار التحرك الإيراني محاولة لإعادة بناء (مصداقية الردع) بعد تعرضها لضربة نوعية. فالردع لا يقوم فقط على امتلاك القدرة، بل على إظهار الإرادة في استخدامها. وعليه، فإن توسيع الاستهداف قد يكون رسالة بأن أي استهداف للعمق الإيراني سيقابله تهديد مباشر للمصالح والقواعد المرتبطة بالخصم في الإقليم

لذلك لا يمكن الجزم بمدة الحرب، كما لا يمكن التحدث عن المآلات التي يمكن أن تؤول لها خلال الوقت الراهن، حيث سيكون الميدان بمثابة المتحدث الرسمي عن الحرب الدائرة حاليًا، لكن الذي يكون في حالةٍ من الثبات المعقول هو الموقف الايراني خلال الحرب ورفضه للتنازل او التراجع، غير أن المؤشرات الحالية تشير بمحدودية الحرب بهدف اخضاع النظام الايراني وليس وصولها حد الحرب الشاملة، ولكن يبقى للميدان كلمته النهائية.

من منظور الواقعية الهجومية، فإن احتمالية بقاء الحرب ضمن نطاق محدود ترتبط بحسابات الكلفة والمنفعة لدى الطرفين، إذ أن الانتقال إلى حرب شاملة قد يُنتج اختلالًا غير محسوب في ميزان القوى الدولي، خاصة إذا استدعى تدخل قوى كبرى أخرى. وبالتالي، فإن ما نشهده قد يكون نموذجًا للحرب المحدودة لأغراض الردع وإعادة الضبط الاستراتيجي لا لإسقاط النظام بالكامل.

أما في إطار نظرية الردع، فإن المرحلة الحالية تمثل اختبارًا لما يُعرف باستقرار الردع تحت التصعيد، حيث يسعى كل طرف إلى إيصال رسائل قوة دون تجاوز العتبة التي تفرض حربًا شاملة، حيث يعتمد نجاح هذا النمط على وضوح الخطوط الحمراء، ودقة الإشارات الاستراتيجية، وقدرة القنوات غير المباشرة على منع سوء الفهم الذي قد يقود إلى انفلات غير مقصود.

اخبار ذات صلة