في شقة مستأجرة صغيرة في منطقة الساحة وسط قطاع غزة، يضع عبد الرؤوف الخضري مفتاحًا حديديًا صغيرًا فوق رفٍ قرب سريره، كأنه قطعة نجاة أخيرة من عالم لم يعد موجودًا. المفتاح يعود إلى منزله في حي الشجاعية شرق غزة — المنزل الذي لم تطأه قدماه منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، والذي يقع اليوم داخل حدود ما يُعرف بـ“الخط الأصفر”، المنطقة العسكرية التي يمنع الفلسطينيون من الوصول إليها.
يقول الخضري لـ "فلسطين أون لاين" وهو يقلب المفتاح بين أصابعه: "هذا ليس مجرد مفتاح… هذا دليل أن لي بيتًا هناك، حتى لو لم أعد أراه".
الخضري، الذي نزح أكثر من 14 مرة منذ بداية الحرب، يتذكر تفاصيل منزله كما لو كان قد غادره أمس. كان بيتًا من طابقين بناه بعد سنوات من العمل الشاق. في الطابق الأرضي صالون واسع كانت تجتمع فيه العائلة كل مساء، وعلى الجدار علّق صورة والده الراحل. أما السطح فكان مساحة مفتوحة تزرع فيها زوجته بعض النعناع والريحان في أوعية بلاستيكية.
دوي انفجارات لا يتوقف
يضيف: "كنت أقول دائمًا إن البيت هو الأمان… لم أتخيل أن الأمان يمكن أن يُقصف أو يُمنع عنك بخط مرسوم على الخريطة".
منذ فرض "الخط الأصفر" ومنع الوصول إلى الأحياء الشرقية، لم يتمكن الخضري حتى من الاقتراب من منزله. لا يعرف إن كان لا يزال قائمًا أم أصبح كومة ركام. لا يملك صورة حديثة، ولا شهادة من جار، ولا حتى يقينًا يريحه.
كلما سمع دوي انفجارات قادمة من جهة الشجاعية، يتجمد في مكانه. يرفع رأسه نحو النافذة، كأنه يحاول تحديد الاتجاه "عندما أسمع صوت نسف جديد، أشعر أن شيئًا داخلي يُنسف أيضًا. أقول في نفسي: ربما كان هذا بيتي".
يصمت قليلًا، ثم يضيف: "أخشى أن أستيقظ يومًا وأعرف أنني كنت أتمسك بمفتاح لباب لم يعد موجودًا".
في الشقة المستأجرة، يحاول أن يخلق إيقاع حياة مؤقتة. الأثاث بسيط، معظم ما يملكه اليوم اشترته العائلة بعد النزوح أو تبرعت به جهات خيرية. لا صور على الجدران، ولا ذكريات متراكمة. كل شيء قابل للفكّ والحمل في حال اضطروا للنزوح مرة أخرى "لم نعد نفكّ الحقائب بالكامل. نتعامل مع المكان كأنه محطة انتظار".
أطفاله يسألونه أحيانا: "متى سنعود إلى بيتنا؟"، فيجيبهم بعبارة يحاول أن يصدقها قبل أن يقنعهم بها: "قريبًا… عندما تهدأ الأمور".
لكن داخله يعرف أن كل يوم يمرّ مع استمرار عمليات النسف داخل الخط الأصفر يقلّص احتمالات العودة. فحتى لو انسحب جيش الاحتلال من قطاع غزة بشكل كامل، ما الذي سيعودون إليه؟ بيت بلا جدران؟ حيّ بلا بنية تحتية؟ شارع اختفت معالمه؟
اليوم، بعد أكثر من عامين من النزوح المتكرر، لم يعد يملك سوى هذا المفتاح وذاكرة متخمة بالتفاصيل. لم يرَ منزله منذ أكتوبر 2023، ولم يتلقَّ أي تأكيد بشأن مصيره. ومع ذلك، يرفض أن يتخلى عن الأمل.
ويشير ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” إلى نطاق جغرافي وعسكري فرضته دولة الاحتلال داخل قطاع غزة عقب اتفاق وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر 2025، حيث أعادت انتشار قواتها وأنشأت منطقة عازلة تمتد بطول يقارب 65 كيلومترا من رفح جنوبا حتى بيت حانون شمالا.
ويُحدد هذا النطاق عبر سواتر ترابية ومكعبات إسمنتية مطلية باللون الأصفر ونقاط تمركز عسكرية، مع أوامر تمنع السكان من الاقتراب منه أو دخوله. وتشير تقديرات ميدانية إلى أن هذه المنطقة تضع ما بين 53 و58 في المئة من أراضي القطاع ضمن نطاق سيطرة عسكرية مغلقة، بما يشمل أحياء سكنية كاملة وأراضي زراعية خصبة كانت تمثل خزانًا سكانيًا وغذائيًا أساسيا. ويعني ذلك عمليا حرمان آلاف العائلات من الوصول إلى منازلها وممتلكاتها، وتعطيل عمليات الترميم وإعادة الإعمار، ومنع المزارعين من الوصول إلى مصادر رزقهم.
ذكريات لا تنسى
داخل خيمة صغيرة في حي الرمال غرب مدينة غزة، تجلس المسنة أم خالد المصري تتابع بصمت الأخبار القادمة من الشمال.
منذ إعلان وقف إطلاق النار، علّقت العائلة آمالها على الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي كانوا يعتقدون أنها ستسمح لهم بالعودة إلى منزلهم في بلدة بيت حانون شمال القطاع. كانت الحقائب جاهزة، ووُضعت وثائق الملكية ومفتاح المنزل في حقيبة صغيرة لم تفارق الأم. لكن أصوات الانفجارات المتواصلة ونسف المباني داخل "الخط الأصفر" بددت هذا الأمل.
يقول نجلها خالد المصري (47 عاما) لـ "فلسطين أون لاين": "كنا نعد الأيام للعودة… لم نكن نريد أكثر من تنظيف بيتنا والبدء من جديد. لكن كل تفجير هناك يعلن أن الشمال يُمحى".
نزحت العائلة أكثر من عشر مرات منذ أكتوبر 2023، متنقلة بين مدارس الإيواء وخيام مؤقتة قبل أن تستقر في هذه الخيمة. يفتح خالد هاتفه كل صباح بحثا عن صور حديثة للحي، لكن المشاهد التي تصل عبر الأقارب أو وسائل التواصل تزيد مخاوفه "كلما سمعت صوت نسف جديد، أشعر أن جزءا من ذاكرتي يُهدم… ليس مجرد منزل، بل تاريخ عائلة كاملة".
قبل الحرب، كان منزلهم المكوّن من طابقين يأوي ثلاثة أجيال. في الطابق الأرضي عاشت والدته المسنة، وفي الطابق العلوي شقة العائلة المليئة بصور المناسبات العائلية وشهادات الأبناء المدرسية. أمام المنزل كانت شجرة ليمون زرعها والده قبل ثلاثين عاما.
تتابع العائلة أخبار النسف المتكرر للمباني في الشمال بقلق متصاعد. بالنسبة لهم، لم يعد الأمر مجرد تدمير ممتلكات، بل رسالة واضحة بأن العودة قد لا تكون ممكنة قريبا. يقول المصري: "النسف لا يقتل الحجر فقط، بل يقتل فكرة العودة نفسها. عندما يُمحى الحي، أين سنعود؟".
توضح والدته المسنة أن الانتظار بحد ذاته أصبح عبئا نفسيا ثقيلا "نعيش بين حقيبتين… لا نحن مستقرون هنا، ولا قادرون على العودة. هذا الانتظار يسرق أعمارنا".
ومع استمرار عمليات الهدم داخل المناطق المغلقة، تخشى العائلة أن تتحول العودة المؤجلة إلى حلم مستحيل. قبل أن يغلق باب الخيمة القماشي مع اقتراب المساء، ينظر خالد إلى المفتاح المعلق على خشبة داخل الخيمة ويقول: "ما زلت أحتفظ به… ليس لأنه يفتح بابا، بل لأنه يفتح أملا. لكن مع كل انفجار، أشعر أن هذا الأمل يتصدع".
تداعيات استراتيجية
من ناحيته، يرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن استمرار عمليات نسف المباني داخل "الخط الأصفر" لا يمثل مجرد تدمير عمراني، بل يحمل تداعيات استراتيجية بعيدة المدى على مستقبل القطاع، محذرًا من أن غزة تدخل مرحلة "إعادة تشكيل قسرية" لبنيتها السكانية والاقتصادية.
وقال أبو قمر لـ"فلسطين أون لاين": "عندما يتم تدمير المنازل بشكل منهجي داخل منطقة يُمنع السكان من الوصول إليها، فإننا لا نتحدث عن نزوح عابر، بل عن تفريغ جغرافي تدريجي. غياب المسكن يعني غياب نقطة الارتكاز التي يعود إليها الإنسان بعد الحرب".
الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر
وأضاف أن فقدان المساكن يخلق واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه: "حتى لو صدر قرار سياسي بعودة السكان، فإن العودة تحتاج إلى بنية تحتية قائمة: طرق، شبكات مياه، كهرباء، مدارس، أسواق. عندما تُنسف هذه العناصر، تتحول العودة إلى مشروع إعمار ضخم قد يستغرق سنوات طويلة. وهذا يعني أن النزوح يتحول عمليًا إلى إقامة قسرية ممتدة".
وأشار إلى أن هذا التحول يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة: "الأخطر من خسارة الجدران هو خسارة الإحساس بالمكان. عندما يعتاد الناس على العيش في مناطق بديلة لسنوات، تتغير الخريطة الديموغرافية، وتتبدل مراكز الثقل السكاني، ويصبح من الصعب إعادة توزيع السكان كما كانوا قبل الحرب".
وأوضح أن تدمير الأحياء يعني شللًا اقتصاديًا متسلسلًا "كل حي سكني هو شبكة اقتصادية مصغرة: بقالة، صيدلية، ورشة، مدرسة، وسائل نقل. عندما يُنسف الحي، تُنسف معه عشرات الأنشطة الصغيرة التي تعيل مئات الأسر. نحن نتحدث عن انكماش اقتصادي قسري يعمّق البطالة والفقر".
ويحذر أبو قمر من أن استمرار هذا الواقع يعزز اعتماد السكان على المساعدات: "إذا فقد الناس بيوتهم وأعمالهم في الوقت ذاته، فلن يبقى أمامهم سوى الاقتصاد الإغاثي. وهذا أخطر تحول يمكن أن يمر به مجتمع؛ لأنه ينقل السكان من حالة الإنتاج إلى حالة الانتظار".