- رمضان ساحة اختبار لفرض الوقائع وتعديل قواعد الاشتباك في الأقصى
- تعزيز الرباط والحضور الشعبي خط الدفاع عن الأقصى
تعيش مدينة القدس المحتلة مرحلة شديدة الحساسية، تتكاثف فيها مؤشرات انتقال سلطات الاحتلال الإسرائيلي من إدارة الصراع في المسجد الأقصى إلى محاولة إعادة تشكيله بصورة جذرية. فالتصعيد الجاري لا يقتصر على زيادة أعداد المستوطنين المقتحمين أو تشديد القيود الأمنية، بل يتعداه إلى إعادة صياغة قواعد التعامل مع المسجد المبارك وهويته ووظيفته الدينية.
تشمل هذه الإجراءات توسيع قرارات الإبعاد عن المسجد، وتكريس دوريات شرطة الاحتلال داخل الساحات، والتضييق على اعتكاف الفلسطينيين، ومحاولات عزل مصلى باب الرحمة، إلى جانب حصار متعدد الأطواق يقيد وصول المصلين، وتعتيم إعلامي يحد من نقل حقيقة ما يجري داخل الساحات.
هذا التراكم ليس عفويا أو مرحليا، بل يعكس رؤية متكاملة تسعى إلى تحويل "الوضع القائم" التاريخي في المسجد الأقصى إلى صيغة جديدة تعاد فيها صياغة مفاهيم السيادة والإدارة والهوية بشكل تدريجي، مستفيدة من التحولات السياسية والإقليمية.
وفي موازاة مسار التصعيد الميداني، برز مسار تشريعي بالغ الخطورة مع إقرار برلمان الاحتلال (الكنيست) الأربعاء القائت، بالقراءة الأولى مشروع تعديل "قانون الأماكن المقدسة"، الذي يمنح الحاخامية الرسمية صلاحية أوسع في تعريف "التدنيس" دون تحديد دقيق للأماكن المقصودة، ما يفتح الباب لتفسيرات قد تشمل الأقصى وتهدد دور الأوقاف الإسلامية فيه.
رمضان ساحة اختبار
في قراءته للمخاطر المحدقة بالمسجد الاقصى خلال المرحلة الحالية وما بعدها يؤكد الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص، أن شهر رمضان تحول خلال العقد الأخير إلى ساحة اختبار سنوية لقدرة الاحتلال على تعديل قواعد الاشتباك في الأقصى، وقياس حدود رد الفعل الشعبي. مشيرا إلى أن الكثافة التعبدية الإسلامية تمنح أي إجراء بعدا رمزيا مضاعفا، ما يجعل نجاح فرضه سابقة قابلة للتكرار لاحقا.
الباحث في شؤون القدس، زياد ابحيص
ويضيف ابحيص في حديثه لـ "فلسطين أون لاين"، أن المعادلة التي تحكم سلوك الاحتلال تقوم على أن ما يمكن تمريره في ذروة الحضور الإسلامي خلال رمضان يمكن تثبيته بسهولة أكبر في بقية شهور السنة، لذلك يجري التعامل مع الشهر الفضيل باعتباره موسما لإعادة تعريف السقف السياسي والأمني داخل المسجد.
بحسب ابحيص، فإن التوسع الكبير في قرارات الإبعاد قبيل رمضان يهدف إلى إضعاف البنية الاجتماعية للرباط داخل المسجد، وإبعاد الشخصيات الفاعلة والمؤثرة عن المشهد الميداني. ويتابع هذه السياسة لا تستهدف الأفراد فقط، بل تسعى إلى تفكيك شبكات الحماية الشعبية التي تشكلت عبر السنوات.
ويرى أن تعيين قائد جديد لشرطة الاحتلال في القدس قبيل الشهر الفضيل يعكس رغبة في إدارة المرحلة بعقلية هجومية تسمح بتمرير إجراءات أكثر جرأة، فالتغيير في القيادة يترافق غالبا مع إعادة صياغة التعليمات الميدانية وتوسيع هامش الحركة الأمنية داخل الساحات.
مسارات التصعيد داخل المسجد
ومن أبرز الإجراءات، وفق ابحيص، تكريس وجود الدوريات المسلحة داخل ساحات الأقصى أثناء الصلوات، وهو ما يمثل مساسا مباشرا بجوهر الوضع التاريخي القائم.. فمشهد السلاح فوق رؤوس المصلين يعيد تعريف طبيعة المكان من فضاء عبادة مفتوح إلى ساحة خاضعة للهيمنة الأمنية الدائمة.
اقرأ أيضًا: تصعيد في المسجد الأقصى خلال رمضان.. منع الإفطار واقتحام المصلى القبلي وأوامر إبعاد
ويشير إلى أن هذا التحول لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يمتد إلى سلوكيات يومية مثل التفتيش داخل ساحات الأقصى واستجواب المشاركين في الدروس الدينية، وبذلك يصبح الوجود الإسلامي خاضعا لإرادة شرطة الاحتلال، لا منطلقا من حق أصيل في العبادة وإدارة الشأن الديني.
أما في ما يتعلق باقتحامات المستوطنين اليومية، فيلفت ابحيص إلى أن تكريس اقتحامات ما يسمى ب"عيد المساخر" العبري خلال رمضان يهدف إلى إدخال طقوس توراتية علنية إلى قلب الزمن الإسلامي الأكثر حساسية، بما يعزز فكرة الحضور الديني الموازي داخل المسجد.
ويحذر من أن خطورة هذه الاقتحامات لا تكمن فقط في أعداد المشاركين، بل في نوعية الطقوس المصاحبة، مثل السجود الملحمي وقراءة النصوص التوراتية بصوت مرتفع، هذه الممارسات تسعى إلى ترسيخ سردية دينية يهودية في الفضاء العام للأقصى بصورة تدريجية.
ما بعد رمضان.. قفزات محتملة
يرى ابحيص أن ما بعد شهر رمضان قد يشهد تصعيدا إضافيا، خصوصا خلال "الفصح اليهودي"، حيث تتكثف محاولات إدخال القربان الحيواني إلى ساحات الأقصى. معتبرا أن أي نجاح رمزي في هذا الاتجاه سيشكل تحولا نوعيا في طبيعة الاقتحامات وأهدافها الدينية والسياسية.
ويضيف أن فرض رمزية القربان، حتى دون تنفيذ كامل للطقس، يعني الانتقال من اقتحام ذي طابع استعراضي إلى ممارسة شعائر مركزية مرتبطة بفكرة "المعبد"، هذا التحول، إن تحقق، سيؤسس لمرحلة جديدة من الصراع على هوية المكان ووظيفته الدينية.
كما يحذر من مسار تمديد ساعات اقتحام المستوطنين بإضافة فترة مسائية، ما يعني عمليا توسيع التقسيم الزماني وتقليص هامش الوجود الإسلامي الحر داخل المسجد، فكل ساعة إضافية للاقتحام تترجم إلى تآكل تدريجي في زمن السيادة الإسلامية اليومية.
وفي السياق ذاته، يلفت إلى أن استهداف مصلى باب الرحمة قد يتجدد بعد رمضان، سواء عبر التضييق على الخدمات أو إعادة طرح فكرة إغلاقه، مبينا أن باب الرحمة يمثل نقطة اختبار حساسة في معادلة التقسيم المكاني داخل الأقصى.
(التعديل القانوني) وأفق المواجهة
بالعودة إلى مشروع تعديل "قانون الأماكن المقدسة"، يوضح ابحيص أن الخطر يكمن في طبيعته المواربة، فالنص لا يذكر المسجد الأقصى صراحة، لكنه يمنح الحاخامية صلاحية تفسير مفهوم "التدنيس"، ما قد يسمح باعتبار أنشطة إسلامية اعتيادية مخالفة لرؤية توراتية يهودية.
اقرأ أيضًا: الشيخ صبري يدعو زعماء الدول الإسلامية لتحمل مسؤولياتهم تجاه المسجد الأقصى
ويرى أن منح الحاخامية مرجعية تفسيرية في هذا السياق يفتح الباب لإخضاع إدارة المسجد لرؤية دينية يهودية، بما يتجاوز الدور القائم للأوقاف الإسلامية، وبهذا يصبح التغيير القانوني غطاء لإعادة ترتيب موازين السيطرة داخل الأقصى تدريجيا.
ويؤكد ابحيص أن الجمع بين الأدوات القانونية والأمنية يهدف إلى خلق واقع جديد يصعب التراجع عنه لاحقا، حيث تتحول الإجراءات الميدانية إلى حقائق مدعومة بنصوص تشريعية، هذه المعادلة تعقد أي مسار قانوني أو سياسي للطعن في التغييرات المفروضة.
ويشدد على أن المواجهة لا يمكن أن تبقى موسمية أو رد فعل آنيا، بل تتطلب عملا تراكميا يحافظ على مركزية الأقصى في الوعي الشعبي والإعلامي والسياسي، لان المعركة، هي معركة هوية وسيادة تتجاوز حدود اللحظة الراهنة.
ويضيف أن إبقاء ملف الأقصى حاضرا في الخطاب العام العربي والإسلامي يمثل أحد عناصر الحماية الأساسية، لأن العزلة الإعلامية والسياسية تمنح الاحتلال هامشا أوسع لتمرير خطواته بهدوء ودون كلفة تذكر.
كما يرى أن تعزيز الرباط والحضور داخل المسجد يشكل ركيزة أساسية في كبح محاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني، لأن الوقائع الميدانية كثيرا ما تتأثر بحجم الحضور وثباته في اللحظات المفصلية.
ويعتبر أن المرحلة الحالية تتطلب قراءة استراتيجية بعيدة المدى، لا تكتفي بمتابعة كل إجراء على حدة، بل تنظر إلى الصورة الكلية التي تتجمع فيها المسارات الأمنية والتشريعية والدينية في اتجاه واحد.
ويشدد ابحيص على أن ما يجري يمثل مفترق طرق حقيقيا، فإما أن تفرض وقائع جديدة تعيد تعريف هوية الأقصى تحت غطاء القانون والأمن، أو تعاد صياغة معادلة ردع شعبية وقانونية تحمي المسجد من الانزلاق إلى مرحلة الحسم الأحادي.