في كل مرة يعتقد الاحتلال أنه أطلق الرصاصة الأخيرة في تاريخ الشعب الفلسطيني، تخرج بندقية جديدة من تحت الأنقاض. فما سر هذه الاستمرارية التي تفلت من كل حسابات الردع؟ وهل يمكن لشعب أن يخوض نضالاً تحررياً لأكثر من قرن دون تحقيق نصر حاسم، ويبقى متمسكاً بقضيته، ناقلا إياها من جيل إلى جيل، محافظاً على جذوة النضال متقدة رغم كل الخسائر؟ هذا هو سؤال المرحلة ليس عبر الخطاب العاطفي، بل عبر تحليل الآلية التي يعمل بها التاريخ الفلسطيني: آلية استمرار النضال عبر التضحية والذاكرة.
الملاحظ في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية أنها لم تحقق "انتصاراً بالضربة القاضية". لم تحدث معركة حاسمة تطرد المحتل، ولم يتحقق نصر عسكري استراتيجي يحرر الأرض. لكن اللافت أيضاً أن القضية لم تمت، والمقاومة لم تنطفئ، والذاكرة لم تتبدد؛ فما الذي يفسر هذا التناقض الظاهري؟
التفسير يكمن في فهم طبيعة النضال الفلسطيني كنضال "تراكمي"، لا يمكن أن يحقق نصرا نهائيا سريعا، بل يعمل على استمرارية الصراع وذاكرته كشرط لبقاء القضية حتى الانتصار. في هذا النموذج، التضحية ليست مجرد خسارة، بل هي استثمار في الذاكرة الجماعية، واستمرارية النضال ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة وجودية.
الذاكرة الفلسطينية ذاخرة بالأمثلة، فبعد تسعين عاماً على استشهاد عز الدين القسام، لا يمكن أن نقرأ التاريخ الفلسطيني والقفز عن نضالات هذا الرجل الذي لم يحقق نصرا وما زال اسمه يتردد إلى اليوم، بعده كان عبد القادر الحسيني، الرمز الفلسطيني الذي تحول إلى أيقونة. اسمه أصبح مرادفاً للقدس العربية، هو لم يمنع النكبة، لكنه منع نسيان القدس.
أما نموذج أبو عمار فهو أكثر تعقيداً. فالرجل حقق انتصارات دبلوماسية (الاعتراف بمنظمة التحرير، خطاب الأمم المتحدة 1974)، لكنه أيضاً وقع أوسلو، التي يعتبرها كثيرون تنازلاً استراتيجياً. أبو عمار ناور من داخل إطار أوسلو والرجل مات ولم يحقق التحرير ولا الدولة، بل مات محاصراً في المقاطعة برام الله، لكنه تحول إلى أيقونة عالمية. الكوفية التي كان يرتديها أصبحت رمزاً دولياً للنضال الفلسطيني. عرفات فشل في تحقيق الدولة، لكنه نجح في تجسيدها في الذاكرة الفلسطينية العالمية.
في نفس السياق لم يكن طوفان الأقصى حدثا شاذا في التاريخ الفلسطيني، ولكنه ربما كان أكثر إيلاما للاحتلال، فالطوفان قدم نماذج ورموزا فلسطينية تحولت إلى أيقونات عالمية، يحيى السنوار، الذي قاد المعركة، صورته الأخيرة وهو يقاتل بالبندقية، مرتدياً الزي العسكري وليس بدلة سياسية، ستبقى في الذاكرة. السنوار تحول من "قائد سياسي" إلى "أيقونة" لأن موته كان مختلفاً: قائد ثائر يموت مع جنوده. أما إسماعيل هنية، القيادي في المنفى، اغتيل في طهران، ليصبح رمزاً للقائد الذي يدفع ثمن مقاومته من دمه، حتى وهو بعيد عن أرض المعركة، وكذلك أبو عبيدة الذي بات رمزا عالميا، بل إن غزة نجحت في كشف الوجه الحقيقي والأصل الأصيل للعصابات الغربية التي بنت (دولة) في فلسطين.
ولم تنجح في المقابل كل محاولات التعايش مع الاحتلال على اعتبار وجوده شرعيا، ويمكن أن يندمج طبيعيا في المنطقة، فكل من راهن على ذلك نسيته الذاكرة والتاريخ، فالاحتلال في حقيقته توسعي إحلالي لا يقبل بالمقاوم ولا حتى المسالم، أثبتت ذلك كل تجاربه مع الفلسطينيين من خلال الاستيطان وتقويض أي أفق لأي دولة على الأرض الفلسطينية، وكذلك سلوكه داخل الأرض السورية واللبنانية وتصريحاته المتتالية حول إسرائيل الكبرى التي لا تمانع أمريكا في سيطرته على أرض من الدول العربية الأخرى، كما صرح السفير الأمريكي في (إسرائيل) كل ذلك ساهم بشكل واضح في جعل صورة هذا المحتل لدى دول ونخب المنطقة العربية والإسلامية أكثرا وضوحا وجلاءً، والذي باتوا يتحسسون خطر هذا الكيان ويطشه في دول المنطقة.
هذا البطش الكبير هو الذي يطرح السؤال الأهم، هل تروي غزة حكاية الردع أم حكاية الصمود؟ هذا هو السؤال السياسي الأكثر إلحاحاً، والأكثر وجعاً، والأكثر تعقيداً في تحليل ما بعد طوفان الأقصى. فجيل كامل في غزة، عاش الرعب بكل تفاصيله. جيل رأى بيته ينهار على رؤوس أهله، رأى جيرانه يُقتلون أمام عينيه، رأى المستشفيات تخرج عن الخدمة وهو ينزف، رأى الأطفال يموتون جوعاً وعطشاً، رأى المجاعة تطرق الأبواب، رأى الدمار الشامل الذي لم يترك حجراً على حجر.
هل سيروي من نجى من الإبادة حكاية الردع (لا تقاوموا كي تبقوا أحياء) أم حكاية الصمود (صمدنا فلم نركع)؟ هذا ليس سؤالاً عاطفياً. هذا سؤال استراتيجي بامتياز، يحدد مسار الصراع للأجيال القادمة.
لكي نفهم الإجابة، يجب أولاً أن نفهم كيف يفكر الاحتلال. (إسرائيل) تعتمد على "نظرية الردع" كعقيدة أمنية مركزية. الفكرة بسيطة: إذا وجهت ضربة قاسية بما فيه الكفاية للعدو، فسوف "يتعلم الدرس" ولن يجرؤ على تكرار التجربة. هذه النظرية طُبقت في لبنان 2006، وفي غزة مراراً (2008-2009، 2012، 2014، 2021)، ووصلت ذروتها في 2023-2025. مع كل جولة، كان الهدف هو "ترسيخ الردع"، "قطع اليد التي تمتد"، "جعل العدو يفكر ألف مرة قبل المقاومة". الدمار الهائل في غزة، المجاعة، القصف العشوائي، تدمير البنية التحتية، استهداف المدنيين... كل هذا يندرج في إطار مشروع "الردع طويل الأمد". الفكرة هي خلق صدمة جماعية تنتقل عبر الأجيال، بحيث يصبح الخوف من "البطشة" الإسرائيلية جزءاً من الذاكرة الجمعية الفلسطينية، ويرثه الأبناء عن الآباء.
فإذا سلمنا أن هذا الردع فشل سابقا، فهل كل ما فعلت إسرائيل من الردع والدمار والإبادة سيفشل أيضا؟ لماذا فشل الردع في الماضي؟ هناك عدة أسباب تفسر لماذا لا يؤدي الدمار الشامل إلى استسلام دائم:
أولاً: طبيعة الذاكرة الجمعية. الذاكرة لا تحتفظ فقط بالخوف، بل تحتفظ أيضاً بالغضب. الطفل الذي رأى بيته يُدمر وهو في الخامسة، حين يصبح في الخامسة والعشرين، لن يتذكر فقط الخوف، بل سيتذكر أيضاً الظلم. وسيبحث عن طريقة للرد.
ثانياً: الحكاية تنتقل. الآباء لا يروون لأبنائهم فقط قصة الدمار، بل يروون أيضاً قصة الصمود. "كنا نأكل العشب لكننا لم نرفع الراية البيضاء". هذه الحكاية تلهم أكثر مما ترعب.
ثالثاً: غياب البديل. ماذا سيحدث إذا قرر جيل غزة أن يقبل بـ"الردع" ويتوقف عن المقاومة؟ الإجابة: سيبقى محاصراً، مذلاً، محروماً من حقوقه الأساسية. الاحتلال لا يقدم "مكافأة" لمن يتوقف عن المقاومة. على العكس، يستمر في قضم الأرض وتهويد القدس وتهجير الناس. إذن، المقاومة ليست خياراً عاطفياً، بل خياراً وجودياً.
رابعاً: التضحية تتحول إلى رأسمال رمزي. كما ناقشنا سابقاً، التضحية لا تضيع هباءً. تتحول إلى رموز وأساطير تغذي الأجيال القادمة.
لكن يبقى السؤال ما الذي سترويه غزة فعلاً؟ لنحاول أن نتخيل الحكاية التي سيرويها جيل غزة لأطفاله: الحكاية المحتملة الأولى: حكاية الردع، "كنا نقاوم، فجاء الجيش (الإسرائيلي) ودمر كل شيء. قتلوا أصدقاءنا، دمروا بيوتنا، جوعونا حتى كدنا نموت. لا تفعلوا ما فعلنا. لا تقاوموا. الصمت أرخص ثمناً". هذه الحكاية ممكنة نظرياً. هناك من قد يرويها. لكن السؤال: كم سيكون تأثيرها على الجيل الجديد؟
الحكاية المحتملة الثانية: حكاية الصمود" :كنا نقاوم، ولم نكن نملك الدبابات والطائرات، لكننا كنا نملك الإيمان بعدالة قضيتنا. حاصرونا 17 عاماً قبل الحرب، ثم دمروا كل شيء خلال الحرب. لكننا صمدنا. خرج آباؤكم للقتال بأسلحتهم البسيطة. قادتكم استشهدوا في الميدان وهم يقاتلون. لم نرفع الراية البيضاء أبداً. أنتم أيضاً، لا ترفعوها". هذه الحكاية، حسب كل التجارب التاريخية، هي الأكثر احتمالاً للبقاء. لأنها حكاية بطولة، حكاية كرامة، حكاية إنسانية في مواجهة آلة عسكرية عمياء، وهذا ما تخبر به أرقام استطلاعات الرأي الحديثة، حول شعبية المقاومة وحماس تحديديا في الضفة الغربية وغزة وموقفهم من طوقان الأقصى.
هناك ما يدعم هذه الحكاية الثانية أيضاـ ما الذي يدفع رجل مقاوم كعبدالقادر الحسيني للمقاومة مع ما قرأه وسمعه عن فشل ثورة القسام في تحرير أي شبر من فلسطين بل وقتله هو وجنوده، وما الذي يدفع السنوار للمقاومة وقد شاهد أبو عمار من قبله محاصرا في رام الله بلا كهرباء ولا وماء، ثم قتل مسموما دون أن يقيم دولة فلسطينية، هل استجابات هذه الرموز لنظرية الردع الإسرائيلية؟
الخلاصة أن مداد الرموز الفلسطينية لن يتوقف وهو عامل أساسي مهم لديمومة النضال وأن التضحيات تروي الشجرة النضال ولا تقتلها وأن التجارب التاريخية، والتحليل النفسي، والمنطق الاستراتيجي، كلها تشير إلى اتجاه واحد: الدمار الشامل لا يخلق خضوعاً دائماً، بل يخلق ذاكرة جروح تتحول إلى وقود للأجيال القادمة.