يشهد قطاع غزة في الآونة الأخيرة تصعيداً عسكرياً متدرجاً تجاوز في طبيعته وحدوده نمط العمليات المحدودة أو الموضعية، ليأخذ طابعاً ميدانياً منهجياً يتسم بالاتساع الجغرافي والتكرار الزمني، ويطال مناطق متعددة في مختلف أنحاء القطاع.
هذا التحول لا يُقرأ بوصفه مجرد ردود فعل ظرفية، بل كمؤشر على استراتيجية أوسع تسعى من خلالها (إسرائيل) إلى إعادة هندسة المشهد الأمني في غزة وفرض معادلات جديدة بالقوة، مستفيدة من بيئة سياسية دولية لا تمارس ضغوطاً كافية لوقف هذا المسار.
طالع المزيد: الردع والحسابات الداخلية… لماذا تتصاعد وتيرة التصعيد في قطاع غزة؟
فقد اتسعت دائرة الاستهدافات لتشمل مناطق سكنية ومواقع مدنية، بالتوازي مع توسيع نطاق ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، في خطوة تعكس سعياً عملياً لإعادة تعريف الحدود الأمنية داخل القطاع وخلق عمق ميداني تتحكم به القوات الإسرائيلية.
ويرى مراقبون أن هذا التوسع هو محاولة لتكريس واقع أمني جديد يتيح هامش حركة أكبر لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ويعيد تشكيل قواعد الاشتباك بما يتوافق مع أولوياته العسكرية والسياسية.
الباحث في الشأن الأمني والعسكري رامي أبو زبيدة يرى أن ما يجري يتجاوز إطار "الردود التكتيكية"، ليعكس سياسة تصعيد ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك وفرض معادلات أمنية جديدة على الأرض.
ويوضح أبو زبيدة لصحيفة "فلسطين"، أن توسع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" يعكس سعياً إسرائيلياً لخلق نطاق أمني أوسع داخل القطاع، بما يكرس واقعاً ميدانياً يخدم الرؤية الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
الباحث في الشأن الأمني والعسكري رامي أبو زبيدة
ويشير أبو زبيدة إلى أن الأهداف لا تقتصر على البعد العسكري، بل تمتد إلى محاولة إضعاف صمود السكان والضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة، عبر توسيع دائرة الاستهداف لتشمل مناطق سكنية ومدنيين، الأمر الذي يعمّق حالة الضغط النفسي والاجتماعي.
ووفق تقديره، فإن الرسالة الإسرائيلية واضحة: أي شكل من أشكال المقاومة أو الصمود ستكون كلفته مرتفعة، في محاولة لدفع المقاومة الفلسطينية إلى تقديم تنازلات سياسية أو عسكرية تحت وطأة الضغط الميداني والاقتصادي.
كما يربط أبو زبيدة بين التصعيد ومحاولات خلق حالة من الإرباك الداخلي، سواء عبر توسيع العمليات داخل المناطق المصنفة ضمن "الخط الأصفر"، أو من خلال توظيف أدوات ضغط غير مباشرة، بما يضعف التماسك المجتمعي ويزيد من الضغوط الداخلية على فصائل المقاومة.
ويرى أن هذا النهج يعرقل فرص التقدم في مسار التهدئة أو استكمال المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، لأنه يضعف الثقة بين الأطراف ويجعل أي التزام عرضة للانهيار.
من جهته، يعتبر المختص في الشأن الإسرائيلي عادل ياسين أن اتساع رقعة الاستهداف يعكس شعوراً إسرائيلياً بغياب الردع الدولي الفاعل، في ظل ما يصفه بصمت أو عجز المجتمع الدولي عن فرض ضغوط حقيقية توقف العمليات العسكرية أو تحد من نطاقها.
طالع المزيد: اجتماع "مجلس السلام"... استغلال إسرائيلي مستمر لتصعيد الجرائم في غزة
ويوضح ياسين لـ "فلسطين"، أن ما يجري يتم ضمن هامش مناورة سياسي وأمني واسع، بدعم أو إشراف غير مباشر من دوائر تنسيق دولية، ما يمنح (إسرائيل) قدرة أكبر على الاستمرار في عملياتها.
ويعدد ياسين جملة من الأهداف المحتملة لهذا التصعيد، أبرزها إبقاء حالة الرعب وعدم الاستقرار في القطاع، ومنع أي شعور بالتهدئة قد يعزز صمود السكان، إضافة إلى توظيف التصعيد في السياق السياسي الداخلي الإسرائيلي، خصوصاً في ظل أجواء انتخابية محتدمة، لإرضاء جمهور اليمين وإظهار استمرار القبضة الأمنية.
المختص في الشأن الإسرائيلي عادل ياسين
ويشير إلى مساعٍ لفرض "أمر واقع" أمني يتمثل في تثبيت حدود جديدة بحكم القوة، وضمان حرية حركة جيش الاحتلال داخل القطاع، واستعادة ثقة مستوطني غلاف غزة بقدرة المؤسسة العسكرية على حمايتهم.
وحول مستقبل اتفاق التهدئة، يؤكد ياسين أن استمرار الخروقات من شأنه تقويض أي مسار سياسي أو إعادة إعمار جدي، وأن مصير الاتفاق مرتبط بمدى جدية الوسطاء والإدارة الأمريكية في إلزام إسرائيل بتعهداتها.
ويرى أن أي تراخٍ في هذا الإطار سيُبقي احتمالات الانفجار قائمة، فيما يشكل الضغط الإقليمي والدولي عاملاً حاسماً في كبح التصعيد.
ويجمع المراقبان على أن محاولات فرض وقائع دائمة بالقوة في غزة أثبتت تاريخياً محدودية نتائجها على المدى الطويل، في ظل قدرة المجتمع الفلسطيني على التكيف والصمود، ما يجعل أي مكاسب ميدانية عرضة للتآكل مع الزمن، ويبقي المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة بين التصعيد والاحتواء.
وتواصل قوات الاحتلال خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس و(إسرائيل)، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وحسب وزارة الصحة في غزة، بلغ عدد الشهداء والمصابين منذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، 615 شهيدًا و1,651 مصابًا، والانتشال 726 شهيدًا.