سال حبرٌ كثيرٌ حول الضفة الغربية وأهميتها ومركزيتها، ودورها في حربنا مع العدو المحتل لفلسطين المحتلة، سال هذا الحبر قبل معركة "طوفان الأقصى"، وبعدها، كما رافقها.
كما كتب صاحب هذه السطور كثيراً من الأوراق حول الضفة الغربية؛ محللاً، وقارئاً، ومقترحاً لكيفية إدارة الحرب مع هذا العدو في هذه البقعة الجغرافية من أرضنا المحتلة. كما حللنا كثيراً من الظواهر التي رأينها، وراقبنا حركتها وتطور مساراتها، أيضاً قبل الطوفان وبعده ومعه. ولما حصل في الضفة الغربية ما حصل بعد "طوفان الأقصى" من (حرث) لشمالها، وتدمير في وسطها، وتغول على جنوبها، وما ختم به العدو المحتل إجراءاته تلك بالمصادقة على حزمة من القوانين التي تمكنه من ابتلاع ما تبقى من أراضي في الضفة الغربية، وتمكين مغتصبيه من السيطرة عليها (بالقانون)، بعد أن سيطروا عليها بالبلطجة، الأمر ــــ قوانين الضم ــ الذي كنا نعتقد أنه سيشعل الأرض تحت أقدام الغزاة المحتلين.
لما كان الأمر على ماقيل سابقاً؛ تأتي هذه المقالة لتحاول فهم الأسباب والدوافع التي جعلت أهلنا في الضفة الغربية، وهم أهل النخوة والشجاعة والحمية (حمر النواظر)، جعلتهم في حالة من (العجز) وشبه التسليم بما جرى ويجري؛ فما يقومون به من حراك يومي على فضله، إلّا أنه لا يرقى إلى مستوى التهديد الذي نشاهد. وحيث أن الأرض محتلة، والعدو يصول وجول فيها بلا رادع أو حسيب أو رقيب، ولما كان خطاب فصائل العمل الفلسطيني، الوطنية منها والإسلامية، لا يخلو من عبارات ومناشدات لأهلنا في الداخل، للوقوف والنهوض لمواجهة تهديدات العدو في هذه البقعة العزيزة من أرضنا، لما كان الموقف على ما قيل وبُيّن؛ ستحاول هذه المقالة كما قلنا سابقاً تلمس أسباب عدم حماسة، وتفاعل أهلنا في الأرض المحتلة، وبشكل أفضل مما هو عليه الآن، مع خطاب ومناشدات، لا بل أكثر من ذلك، عدم حماستهم لما تقوم به هذه الفصائل والحركات من إجراءات بناء قوة، يمكن أن تشكل مع الأيام عامل رعب، يجعل العدو يعيد التفكير في إجراءاته، وتصرفاته، وقراراته.
في البحث عن الأسباب:
قبل الحديث في ما يعتقد صاحب هذه السطور أنه قد يكون سبباً في عدم تفاعل أهلنا مع خطاب فصائل المقاومة وحركاتها، فضلاً عن إجراءاتها، لا بأس من التذكير أن حركات المقاومة أو التمرد، حتى تكون ناجحة في فعلها، ومقارعة عدوها، والصمود في وجه تهديداته، حتى تكون موفقة وناجحة؛ لا بد أن تتوفر لها مجموعة من الأركان والمؤلفات، من أهمها:
1. قادة مجربون ومحبوبون.
2. مقاتلون مضحون ومتفانون.
3. بنية تحتية قادرة على تأمين متطلبات وضرورات العمل المقاوم.
4. قوة احتياط قادرة على تعويض الخسائر وترميم الأضرار.
5. حاضنة شعبية تستمد منها الشرعية وتؤمن لها متطلبات الأمن والسلامة والبقاء.
ولما كان الركن الخامس ــ الحاضنة الشعبية ـــ من أهم أركان العمل المقاوم، والذي كما قلنا تُستمد منه الشرعية، وحيث أن المقاوم (وكيل) يعمل نيابة عن أصيل هو: (الشعب)، لذلك لن يكتب النجاح والتوفيق والنصر لثائر أو مقاوم لا يحوز دعماً وشرعية وغطاء من شعبه، وسيجد نفسه منبتاً عن واقعه، محارباً من داخله، لا يقوى على رد معتد، أو كبح تهديد. وحتى يحوز المقاوم كفرد، والحركة كإطار دعماً من شعبه وأهله؛ لا بد من توفر مجموعة من المتطلبات والمقدمات ذلك الدعم، من أهما:
1. فاعلية تنظيمية، تُمكّن من المواكبة، والحشد، والتعبئة، والقيادة، والتوجيه، واقتناص الفرص، واستثمار التضحيات.
2. شرعية، تمكنها من ممارسة سلطاتها الإجرائية، بناء على تفويض أبناء شعبها لها، وهنا؛ ويخطئ البعض عندما يظن أن مجرد إطلاق صفة مقاومة أو مقاوم على شخص أو هيئة، يعطيه، أو يعطيها شرعية أبدية! وفي هذا تفصيل يضيق المقام والمقال عنه.
3. الدافع، الذي يحمل الآخرين على قبول الأفعال والإجراءات والمسلكيات. ومن أهم ما يمكن أن يقال تحت مفردة الدافع هو: أن المصداقية هي أهم ما يجعل الطرف المقابل يتقبل ما يقوم به المقاوم والثائر، وهي ــ المصداقية ـــ أصلٌ وكل ما بعدها تفصيل.
4. قبول الأكلاف والمخاطر؛ من قبل المقاوم وبيئته الحاضنة، ولا يمكن أن تتوفر مثل هذه الصفة ما لم تثبت المصداقية، وتشاهد وترى رأي العين.
نصل إلى أصل البحث، وهو محاولة فهم ما نشاهده، أو يشاهده غيرنا في الضفة الغربية من (برود) أو لا حماسة مولدة لفعل حقيقي، ينتج عنه تهديد ذو مصداقية على العدو، وهي، أي الضفة الغربية التي ما بخلت يوماً على المقاومة بغالٍ أو نفيس، لكننا، كغيرنا تتبادر إلى أذهاننا تساؤلات، واستفسارات عما نرى ونشاهد، فهل يعود سبب ما نرى إلى:
أ. عدم قناعة الحاضنة الشعبية بجدوى المقاومة ومواجهة المحتل؟
ب. عدم تحديد المهمة المطلوب تأديتها من قبل حركات المقاومة والعاملين معها، في مثل هذه البيئة العملياتية المعقدة؟
ت. ارتفاع أكلاف المقاومة، في الوقت الذي ليس هناك ما يعوض أو يرمم الضرر؟
ث. عدم وجود حليف، أو داعم؛ محلي أو إقليمي أو دولي، مستعد للذهاب في شوط دعم المقاومة إلى نهايته؟
ج. تعدد مصادر التهديد ــ يهود، سلطة، أجهزة أمن خارجية ــ وعدم القدرة على تغطية طيف المخاطر الناتج عنها؟
ح. انقطاع أو خلل في سلاسل التوريد؛ البشرية والمادية، المطلوبة لبناء حالة مقاومة، قادرة على تشكيل تهديد على العدو، وقطعان المستوطنين والمحتلين.
خ. خلل في بناء علاقة عمل سليمة وفاعلة بين حركات المقاومة والداخل المحتل؟
د. العمل بروح التنافس الحزبي، وليس التكامل والتشارك الحركي؟
وأسئلة يطول عدها، وسردها، يجب البحث عن إجابات لها وعليها، في طريق تكوين فهم صحيح عن أسباب ما نراه، ونشاهده من تغول غير مسبوق من العدو الصهيوني على أهلنا وشعبنا في الضفة الغربية، يقابله حالة من العجز واللا فاعلية في مواجهة إجراءات العدو التدميرية في مختلف مدن وقرى وخرب الضفة الغربية. الأمر الذي نوصي معه بالآتي:
1. عقد حلقات نقاش، وورش عمل وتحليل، وتفكير جمعي، تضم أصحاب الشأن والاختصاص، للبحث في إجابات عما طرح من تساؤلات.
2. إعادة ضبط وتوصيف دور جغرافيا الضفة الغربية في معادلة حربنا مع قوات الاحتلال الصهيونية.
3. تحديد مهمة قوى المقاومة كحركات، وأفرادها كفاعلين، في سياق ما ذكر في النقطة السابقة.
4. إعادة حشد وتعبئة وتخصيص، قدرات قوى المقاومة الفلسطينية، المادية منها والبشرية، في سياقات عمل تخدم التوصيف (الوظيفي) لجغرافيا الضفة الغربية، في استراتيجيات المقاومة الفلسطينية.
5. معرفة قدرات وإمكانيات وطاقة البيئة الحضانة، وتأمين الحد المقبول من متطلبات مشاركتها وصمودها في المعركة مع العدو.
6. الضرب بيد من حديد على كل ظواهر العمالة و/ أو التساوق مع أهداف العدو وبرامج عمله، ومن يلف لفه، ويعمل عمله،
7. إدارة الميدان بناء على إجراءات وتدابير (خطة حرب)، وليس التخطيط لعملية آنية.
كانت هذه بعض الهواجس والخواطر التي لاحت على الذهن، أثناء التفكير في سبب ما نراه ونشاهده في الضفة الأبية، جئنا على ذكرها، لتشكل حافز تفكير جماعي تخصصي، لعلّنا نسد ثغرة عندنا، وننكأ جرحاً عند عدونا.