يحلّ شهر رمضان هذا العام على أكثر من 9300 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال الإسرائيلي وسط ظروف قاسية، تتسم بتصاعد الإجراءات العقابية والتضييق على الشعائر الدينية، في ظل شكاوى متزايدة من نقص الطعام وسوء الرعاية الصحية، وفق شهادات أسرى محررين ومؤسسات حقوقية.
ويواجه الأسرى الفلسطينيون أوضاعًا إنسانية صعبة خلال شهر رمضان، تتراوح بين حرمانهم من معرفة مواقيت الصيام، ومنعهم من أداء الشعائر جماعة، وصولًا إلى تقليص وجبات الطعام واقتحام الغرف قبيل الإفطار والسحور، بحسب شهادات متطابقة لأسرى محررين.
طالع المزيد: "إعلام الأسرى": إهمالٌ طبيٌّ يفاقم الحالة الصحية للأسيرة انتصار العواودة
وتشير معطيات مؤسسات مختصة بشؤون الأسرى إلى وجود أكثر من 9300 أسير فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية، بينهم نحو 350 طفلًا، في ظل اكتظاظ ملحوظ وتراجع في مستوى الرعاية الصحية، إلى جانب تصاعد حملات الاعتقال في الضفة الغربية مع بداية الشهر الفضيل.
حرمان من مواقيت الصيام
الأسير المحرر محمد علي، الذي أُفرج عنه في 13 أكتوبر 2025 بعد اعتقال دام عامًا وعشرة أشهر، قال إنه أمضى رمضانين كاملين دون معرفة دقيقة بموعد بدء الشهر أو مواقيت أذاني الفجر والمغرب.
وأوضح لصحيفة “فلسطين” أن إدارة السجون كانت ترفض إبلاغ الأسرى بالمواعيد الرسمية، ما اضطرهم للاعتماد على تقديراتهم الخاصة، معتبرًا أن ذلك “سياسة متعمدة لإرباك الأسرى نفسيًا ودينيًا”. وأضاف أن بعضهم كان يعرف بدخول الشهر مصادفة، أو عبر سؤال المحامين خلال جلسات المحاكم.
قمع التجمعات والشعائر
وتتزامن أوقات الإفطار والسحور، بحسب شهادات أسرى محررين، مع حالة توتر داخل الأقسام، حيث تُمنع التجمعات حول وجبات مشتركة أو أداء الصلاة جماعة.
ويروي محمد علي حادثة وقعت داخل سجن النقب، حين اقتحم السجانون الغرفة قبيل أذان المغرب، وسكبوا الطعام على الأرض، وأخرجوا الأسرى مكبلي الأيدي إلى ساحة السجن، ومنعوهم من تناول الإفطار أو أداء الصلاة لساعات، بسبب محاولتهم تناول الطعام جماعة.
وتشير شهادات أخرى إلى منع قراءة القرآن بصوت مسموع أو إقامة صلاة التراويح جماعة، تحت طائلة العقوبات التي قد تصل إلى العزل الانفرادي أو الاعتداء الجسدي.
طالع المزيد: إدارة سجن عوفر تحرم الأسرى من الصيام والإفطار في الوقت الصحيح
نقص الطعام ورداءة الظروف
إلى جانب التضييق على الشعائر، يشتكي الأسرى من نقص كميات الطعام ورداءة نوعيته.
ويقول الأسير المحرر سلامة مهاني (23 عامًا)، الذي اعتُقل في يناير 2024، إن وجبات الإفطار كانت تُقدم أحيانًا في أوقات لا تراعي موعد الأذان، أو بعد صلاة العشاء، فضلًا عن كونها غير كافية.
وأضاف أن بعض الأسرى كانوا يحتفظون بجزء بسيط من وجبة الإفطار ليتناولوه سحورًا، في ظل غياب وجبة مخصصة قبل الفجر، مشيرًا إلى أن شح المياه الساخنة والبرد داخل الغرف يزيدان من مشقة الصيام، خاصة لكبار السن والمرضى.
تشديد الإجراءات منذ أكتوبر 2023
من جهته، أكد الأسير المحرر أحمد أبو راس أن إدارة السجون شددت إجراءاتها منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، لافتًا إلى تزايد حملات التفتيش المفاجئة، والعزل الانفرادي، وتقليص ساعات “الفورة” (الخروج إلى الساحة).
وأوضح أبو راس لـ"فلسطين" أن أداء الصلاة جماعة أو رفع الأذان داخل القسم كان يُعد مخالفة تستوجب العقاب، وقد تصل إلى الضرب أو النقل إلى العزل، كما تعمدت الإدارة، وفق شهادات متطابقة، تأخير إدخال الطعام أو تقديمه بعد انقضاء وقت السحور أو الإفطار.
معاناة مستمرة خلف القضبان
ويرى مختصون في شؤون الأسرى أن شهر رمضان، بدل أن يشكل مناسبة لتهدئة الأوضاع داخل السجون، يتحول إلى فترة إضافية من التضييق والعقوبات الجماعية، ما يضاعف المعاناة النفسية والجسدية للأسرى.
وبينما تجتمع العائلات خارج السجون حول موائد الإفطار، يقضي الأسرى أيامهم في زنازين ضيقة، يصومون في ظل القيود والعزل، ويتمسكون بأداء شعائرهم قدر المستطاع، باعتبارها شكلًا من أشكال الصمود.
وهكذا يمضي رمضان خلف القضبان، شاهدًا على واقع إنساني صعب، لا تصل تفاصيله إلى الخارج إلا عبر شهادات من كُتب لهم الخروج.