في تصعيد إسرائيلي جديد يعكس توجهات اليمين الإسرائيلي المتطرف، الرامية لفرض وقائع جديدة في الأراضي الفلسطينية عبر تصعيد الاستيطان خلال الفترة القادمة، ضاربة بعرض الحائط كل القرارات والقوانين الدولية، عدا عن الاستمرار في التنصل من اتفاقية أوسلو التي لا تزال السلطة تتمسك بها وتنفذها عملياً على أرض الواقع.
وكان وزير المالية في حكومة الاحتلال المتطرف بتسلئيل سموتريتش أعلن خلال مؤتمر لحزبه "الصهيونية الدينية"، أن الحكومة القادمة ستعمل على إلغاء اتفاقيات أوسلو ومنع قيام دولة فلسطينية و"فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة" في الأراضي الفلسطينية.
ولم يقتصر الأمر على توسيع الاستيطان في الضفة الغربية فحسب، بل لوّح أمس بإعادة احتلال قطاع غزة من جديد وإقامة مستوطنة يهودية فيه، وهو ما أثار موجة قلق واسعة فلسطينياً وعربياً، واعتُبرت تلك التصريحات مؤشراً على انتقال الخطاب السياسي الإسرائيلي من التلميح إلى الإعلان الصريح عن مشروع الضم وتصفية القضية الفلسطينية.
الخبير في شؤون الاستيطان سهيل السلمان، يرى أن هذه التصريحات "ليست طارئة أو معزولة، بل منسجمة تماماً مع برنامج هذه الحكومة".
الخبير في شؤون الاستيطان، سهيل السلمان
ويقول السلمان لـ "فلسطين أون لاين"، إن شعار اليمين الحاكم يقوم على تهجير الفلسطينيين وتصفية قضيتهم، معتبراً أن ما يجري على الأرض من توسع استيطاني وهدم منازل ومنشآت زراعية، خاصة في المنطقة (ج)، ينسجم مع هذا التوجه.
ويشير السلمان إلى أن الاستيطان الرعوي توسّع بشكل غير مسبوق، مسيطراً على مساحات واسعة تُقدّر بنحو مليون دونم، إضافة إلى إقرار نحو 80 مستوطنة وبؤرة استيطانية بعد أحداث 7 أكتوبر، في إطار ما يصفه بـ"هجوم شامل لفرض وقائع ميدانية تمهّد للضم".
على الأرض، تبدو الضفة الغربية أكثر تقطيعاً من أي وقت مضى، مع وجود ما يقارب ألف حاجز عسكري، وفق تقديرات فلسطينية، الأمر الذي يخلق – بحسب السلمان – "جغرافيا مشوهة" تعرقل التواصل بين المدن والقرى، وتحوّل التجمعات الفلسطينية إلى كانتونات معزولة.
كما تتصاعد عمليات هدم المنازل والمنشآت الزراعية في المنطقة (ج) بذريعة البناء دون ترخيص، في وقت تتعامل فيه سلطات الاحتلال مع هذه الأراضي باعتبارها جزءاً من "السيادة الإسرائيلية" المفترضة.
ويؤكد السلمان أن جرائم المستوطنين على الأرض، من اعتداءات وحرق أراضٍ وممتلكات، تجري في ظل حماية عسكرية، ما يعكس – برأيه – سياسة رسمية غير معلنة لفرض الضم الزاحف.
احتلال غزة
التلويح بإعادة احتلال غزة وإقامة مستوطنة فيها يعيد طرح سيناريوهات خطيرة، خاصة في ظل الحرب المدمرة التي شهدها القطاع، والتي خلّفت عشرات آلاف الضحايا ودماراً واسعاً في البنية التحتية والمستشفيات.
السلمان يعتبر أن الحديث عن إعادة الاستيطان في غزة "تصريحات جدية من حكومة يغلب عليها طابع المستوطنين"، محذراً من أن حتى أي خطوة رمزية في هذا الاتجاه ستكون محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الانسحاب الإسرائيلي عام 2005.
في المقابل، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي فتحي بوزية أن هذه التصريحات يجب قراءتها أيضاً في سياق الانتخابات الإسرائيلية. ويشير إلى أن سموتريتش، الذي لا تمنحه استطلاعات الرأي نسبة حسم مضمونة، يخاطب جمهور اليمين المتطرف لحشد أصوات الناخبين.
المختص في الشأن الإسرائيلي، فتحي بوزية
ويؤكد بوزية لـ "فلسطين أون لاين"، أن المجتمع الإسرائيلي، رغم انحيازه النسبي لليمين، لا يُجمع بالضرورة على ضم الضفة الغربية أو إعادة الاستيطان في غزة، بحسب بعض استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن أقصى ما يمكن أن يحصده معسكر اليمين حالياً نحو 52 مقعداً.
ورغم ربط التصريحات بالحسابات الانتخابية، يحذر بوزية من التقليل من خطورتها، معتبراً أنها "تدق ناقوس الخطر"، خاصة في ظل دعم أمريكي واضح لبعض توجهات اليمين الإسرائيلي.
ويشير إلى أن الفكر الصهيوني قام تاريخياً على السيطرة على الأرض وتهجير الفلسطينيين، وأن ما يُطرح اليوم ليس جديداً من حيث الجوهر، بل أكثر صراحة وجرأة.
اقرأ أيضًا: "البيدر": قرارات حكومة الاحتلال تهديدٌ مباشر بتغييرٍ دائم لبنية الضفة الغربية
ويضيف أن التوسع الاستيطاني لم يعد يقتصر على إقامة بؤر عشوائية، بل يشمل ضخ ميزانيات بملايين الشواكل، وفتح ملفات "أراضي الغائبين" والتسويات، بما يعزز عملية قضم الأراضي الفلسطينية تدريجياً.
المطلوب فلسطينياً
في ضوء إعلان إلغاء أوسلو، يطرح السلمان تساؤلات حول طبيعة الرد الفلسطيني، معتبراً أن السلطة مطالبة بإعادة النظر في مجمل العلاقة مع (إسرائيل)، ووقف أشكال الاتصال القائمة، والعودة إلى حوار وطني شامل يضم مختلف الأطياف الفلسطينية.
اقرأ أيضًا: قاسم: تصريحات سموتريتش استهتارٌ بترتيبات "مجلس السلام" لإنهاء الحرب في غزَّة
ويشدد على أن المرحلة تتطلب "رص الصفوف" وبلورة موقف سياسي موحد يستند إلى رفض كل الاتفاقيات التي لم تحمِ الأرض أو الإنسان الفلسطيني، والعمل على صياغة استراتيجية وطنية لمواجهة مخططات الضم والاستيطان.
وتبقى تصريحات سموتريتش، سواء كانت جزءاً من خطاب انتخابي أو تعبيراً عن برنامج أيديولوجي ثابت، مؤشراً على مرحلة أكثر صراحة في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي. فالمعاهدات – كما يقول بوزية – "ذهبت أدراج الرياح"، والضم الزاحف قائم فعلياً على الأرض.