في خيمةٍ صغيرة بمدينة خان يونس، تجلس عائلة موسى الكيلاني حول مائدة متواضعة لا تكاد تتسع لأفرادها. لا فوانيس تضيء المكان، ولا زينة رمضانية تكسو الجدران القماشية، ولا أصوات أطفال تملأ الفضاء استعدادًا للإفطار.
مشهدٌ يختصر تحوّل حياة أسرة كانت تعيش رمضان في بيتها ببيت لاهيا بطقوس دافئة، إلى واقعٍ ثقيل عنوانه النزوح والإصابة والفقد.
طالع المزيد: من السجن إلى النزوح… أسير محرر يعيل ثلاث أسر تحت وطأة الحرب
رمضان كان مختلفًا
قبل الحرب، كان شهر رمضان في بيت الكيلاني مناسبة عائلية مكتملة التفاصيل. يقول نافذ الكيلاني، الابن الأكبر لموسى، لصحيفة "فلسطين": "كانت والدتي تُعدّ أصناف الطعام التي اعتدنا عليها، من الطبق الرئيس إلى الشوربة والحلويات، وكان والدي يحرص على تأمين ما تيسّر من احتياجات. كنا نتنافس نحن الأطفال على تعليق الزينة وتزيين أركان المنزل".
ومع اقتراب السحور، كان صوت المسحراتي يتسلل إلى نوافذ البيت، ليمنحهم شعورًا خاصًا بالفرح والحميمية. أما اليوم، فقد غابت تلك المشاهد وحلّ محلها صمت الخيمة وقلق المجهول.
إصابة غيّرت المسار
موسى، أبٌ لخمسة أبناء، كان يعمل في الزراعة ويقضي يومه بين أرضه ومحاصيلها، يعتمد عليها في تأمين معيشة أسرته. ويقول: "الأرض كانت حياتي… أزرع فيها وأعيش منها".
لكن يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 شكّل نقطة تحول قاسية في حياته، حين سقطت قذيفة دبابة بالقرب منه، وأصيب إصابة متوسطة في أصابع قدمه اليسرى. نُقل على وجه السرعة إلى مستشفى كمال عدوان، حيث كان المشهد الصحي مأزومًا؛ أعداد كبيرة من الجرحى، ونقص حاد في الطواقم الطبية والمستلزمات.
قضى هناك ثلاثة أيام وسط ظروف صعبة ومشاهد مؤلمة، قبل أن تضطر العائلة إلى النزوح جنوبًا تحت ضغط القصف المتواصل. يقول: "حملنا ما استطعنا من ملابس وأوراق، وغادرنا".
طالع المزيد: في خيمة النزوح… “أم عوني” تقاتل المرض لتحمي ثلاث يتيمات
في الجنوب، وتحديدًا في مستشفى شهداء الأقصى، خضع لعملية جراحية انتهت ببتر قدمه من أسفل الركبة. ويضيف بصوت يختلط فيه الصدمة بالألم: "خبر البتر كان مفاجئًا، لم أتخيل أن تصل الإصابة إلى هذه النتيجة".
بين طرف صناعي ومعاناة مستمرة
بعد فترة، جرى تركيب طرف صناعي له، إلا أن محاولات التكيّف معه لم تنجح، وظهرت مضاعفات على موضع البتر، أبرزها دمامل مؤلمة حرمتْه من النوم وأثقلت حركته.
اليوم، يحتاج موسى إلى تحويلة علاجية خارج قطاع غزة لاستكمال العلاج وتركيب طرف صناعي ملائم يخفف من معاناته، لكن تعقيدات السفر وظروف الحرب تجعل ذلك الخيار مؤجلًا بلا موعد واضح.
وتغيّرت حياة الأسرة بالكامل بعد أن فقدت معيلها القادر على العمل. فموسى لم يعد يستطيع مزاولة الزراعة، فيما تتزايد الأعباء المعيشية وسط النزوح وارتفاع الأسعار وندرة الموارد.
طالع المزيد: رمضان في خيمة النزوح... فاطمة تصارع المرض والفقد لتحمي أطفالها
تقول زوجته: "أكثر ما يؤلمني ليس ضيق الحال فقط، بل نظرة الحزن في عيون أطفالي وهم يقارنون بين رمضان الماضي ورمضان اليوم".
أمل يتشبث بالعودة
في الخيمة، تحاول الأسرة صناعة أجواء رمضانية بسيطة؛ تضع الأم قطعة قماش ملوّنة عند المدخل كزينة رمزية، ويجتمع الأبناء حول مائدة الإفطار رغم تواضع الطعام. لكن غياب البيت، ووطأة الإصابة، والخوف من الغد، تجعل الشهر مثقلًا على القلوب.
ورغم كل ما مرّ به، يتمسك موسى بأمل العودة إلى أرضه التي كان يزرعها، واستكمال علاجه، والوقوف يومًا ما على قدميه من جديد داخل بيتٍ يجمع أسرته بعيدًا عن الخيام والانتظار.

