في مشاهد الدمار التي أعقبت الحرب على قطاع غزة، برزت الحاجة إلى توثيق ما جرى من أحداث دامية بأعين أبناء المكان أنفسهم، حفاظًا على الذاكرة من الضياع وسط الأرقام والتقارير المتلاحقة. ومن هذا المنطلق جاء كتاب يرصد مجازر مخيم جباليا بوصفها شهادة سردية تحفظ تفاصيل الألم وتحولها إلى وثيقة تاريخية.
مجزرتان في قلب المخيم
في عصر يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهد بلوك 6 في عمق مخيم جباليا، في منطقة تُعرف بمربع السنايدة، واحدة من أكثر المجازر دموية خلال الحرب. وخلال ساعات قليلة، سقط نحو 600 قتيل وأصيب قرابة 400 آخرين، غالبيتهم من النساء والأطفال.
ولم يكد المشهد يهدأ حتى تكرّر الاستهداف في بلوك 7 المجاور، لتتسع دائرة القتل في نطاق جغرافي ضيق يضم عائلات متقاربة، وتتشابه تفاصيل حياتها اليومية، ما عمّق حجم الخسارة الإنسانية داخل مجتمع مترابط.
كتاب يوثق الحكايات لا الأرقام
يأتي كتاب "مجازر مخيم جباليا" بوصفه عملًا صحافيًا توثيقيًا يعتمد أسلوب القصة الإنسانية في مقاربة الحدث، حيث لا يكتفي برصد الأرقام والوقائع، بل يتتبع سِيَر نحو ثلاثين عائلة فقدت أبناءها في الهجومين، مستعيدًا تفاصيل حياتهم قبل ربع قرن، وأحلامهم، ومساراتهم التعليمية والمهنية والاجتماعية.
المؤلف حمزة أبو الطرابيش، وهو أحد أبناء المخيم، عاش طفولته في بلوك 6 وأمضى سنوات شبابه في بلوك 7، ما جعل المكان جزءًا من ذاكرته الشخصية والجمعية. هذه الخلفية شكلت دافعًا أساسيًا لاختياره توثيق المجزرتين موضوعًا لعمله.
ويقول لصحيفة "فلسطين": "المكان بالنسبة لي ليس مجرد مسرح أحداث، بل فضاء ذاكرة شخصية. معظم من سكنوا ذاكرتي في هذين الحيين قضوا في تلك الأيام، فتحوّلت الكتابة من خيار مهني إلى التزام أخلاقي".
كتابة في ظل الحصار والفقد
أُنجز الكتاب في ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد عام من وقوع المجزرتين، في وقت كان فيه مخيم جباليا يخضع لحصار وحملة عسكرية مشددة ضمن ما عُرف بـ"خطة الجنرالات".
ورغم مغادرته غزة قبل اندلاع الحرب بستة أشهر، يؤكد أبو الطرابيش أن المسافة الجغرافية لم تعنِ غيابًا عن التجربة، بل شكّلت شكلًا آخر من أشكال المواجهة النفسية مع مشاعر الفقد والصدمة.
ويشير إلى أنه دخل في حالة انقطاع عن الكتابة لأكثر من عامين، قبل أن يستعيد دافعه بعد تجربة شخصية مؤثرة تمثلت في رؤيا لوالده الشهيد خليل أبو الطرابيش، الذي استشهد في منزله بتاريخ 15 مايو/أيار 2024 بعد رفضه مغادرته.
ويقول إن الرؤيا التي سمع فيها عبارة: "هناك ألف مقاتل في المخيم وكاتب واحد" كانت حافزًا مباشرًا للعودة إلى مشروع التوثيق، وتحويل الألم إلى فعل كتابة يحفظ الذاكرة.
توثيق الحياة قبل المجزرة
خلال نحو شهرين استغرقهم إعداد الكتاب، تعرّضت عائلة المؤلف نفسها لمجزرة أودت بحياة 26 فردًا من أعمامه وأبناء عمومته ونسائهم وأطفالهم.
غير أن هذه الخسارة، كما يوضح، لم تثنه عن استكمال المشروع، بل عززت قناعته بضرورة توثيق الأسماء والحكايات، لا بوصفها رثاءً شخصيًا، بل وثيقة عامة تمنع ذوبان الضحايا في زحام الأخبار والأرقام.
ويقع الكتاب في 168 صفحة، ويعتمد بنية سردية قائمة على فصول مترابطة، يخصص كل فصل منها لعائلة مختلفة، مع إبراز زاوية إنسانية مستقلة لكل حالة، بما يمنح القصص خصوصيتها داخل السياق العام.
ويركّز العمل على استعادة الحياة قبل المجزرة، أكثر من التركيز على مشاهد القتل ذاتها، حيث يوثّق التحولات الاجتماعية والتعليمية والمهنية لأبناء الحيين على مدار نحو 35 عامًا، في محاولة لإعادة الاعتبار للضحايا كأفراد لهم تاريخ وتجارب، لا كإحصاءات في بيانات رسمية.
مشروع يتجاوز الكتاب
يؤكد أبو الطرابيش أن مشروعه لا يتوقف عند هذا الإصدار، بل يطمح إلى الإشراف على عملية توثيق أوسع لمجازر غزة، تعتمد السرد الحكائي بلغة تصل إلى مختلف الفئات العمرية، في إطار ما يسميه بـ"المعركة السردية" الممتدة عبر الزمن.
ويرى أن القصة الصحافية قادرة على بناء وعي تراكمي، وتحويل الخبر العابر إلى مادة معرفية مؤثرة للأجيال القادمة، تحفظ الذاكرة من النسيان وتؤسس لرواية موثقة تستند إلى الشهادات والوقائع.
أبو الطرابيش، الكاتب والصحفي الذي يعمل منذ عام 2012 في صحف عربية ودولية ومنصات محلية، يركز في كتاباته خلال الحرب على البعد الإنساني التوثيقي، مؤكدًا أن دافعه الأساسي هو صون الذاكرة الجماعية، وترسيخ فكرة أن الضحايا أسماء وحكايات، وأن التوثيق الدقيق للأحداث مسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه التاريخ والأجيال القادمة.