لم يقتصر دور المسيّرات الحربية من نوع "كواد كابتر" على فرض السيطرة العسكرية في أجواء قطاع غزة، بل امتد ليطال الصيادين الباحثين عن لقمة العيش عند الساحل، إذ باتوا هدفًا مباشرًا لنيرانها.
ففي خضم الحرب الدموية التي بدأها جيش الاحتلال في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واستمرت عامين، اعتمد الاحتلال بشكل أساسي على هذا النوع من المسيّرات في تنفيذ مهام عسكرية واستخبارية واستهداف المواطنين. غير أن هذه الطائرات تحوّلت أيضًا إلى أداة لملاحقة الصيادين، تعكّر رحلاتهم وتعرّض حياتهم للخطر.
وأظهر مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، أمس، شابين في مقتبل العمر يعملان في الصيد، وهما يحاولان الفرار من مسيّرة "كواد كابتر" حلّقت على علو منخفض فوق شاطئ مدينة خان يونس، جنوبي القطاع.
وترك الصيادان قاربهما الصغير وألقيا بنفسيهما في المياه، فيما دوّى أزيز المسيّرة في الأجواء. وبدا أحدهما، أثناء محاولته الخروج من البحر، ينظر إلى الأعلى خشية استهدافه، بينما كان الآخر يصارع الأمواج.
وقال رئيس نقابة العاملين في قطاع الصيد والإنتاج البحري زكريا بكر لصحيفة "فلسطين": "بمجرد مشاهدة الصيادين لهذه المسيّرات، يتركون قواربهم وشباكهم ويقفزون في المياه خوفًا من إطلاق النار عليهم أو إلقاء قنابل قد تؤدي إلى استشهادهم أو إصابتهم بإعاقات دائمة".
وأضاف أن هذه المسيّرات تلاحق الصيادين قرب الشاطئ، إلى جانب الزوارق الحربية التي تطاردهم وتعتقلهم حتى في المسافات القريبة من الساحل.
وتتنوع المسيّرات التي يستخدمها جيش الاحتلال، وتعمل بالتحكم عن بُعد، بين طائرات مخصصة للتصوير والمراقبة، وأخرى تُستخدم لتوفير غطاء جوي للقوات البرية وتطلق النار على كل من تشتبه به. أما الأخطر، فهي المسيّرات المحمّلة بالقنابل، القادرة على إسقاطها بدقة على أهداف يحددها المشغّل، وقد أصبح الصيادون ضمن بنك أهدافها.
وفي مارس/ آذار 2025، قتلت مسيّرة "كواد كابتر" الصياد الشاب محمد صيام (22 عامًا) من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة.
وقال والده رياض صيام لـ"فلسطين أون لاين" إن نجله، المعروف بحبه للبحر، كان يحاول الإبحار بقاربه الصغير في منطقة السودانية شمال غرب غزة، عندما ألقت مسيّرة قنبلة أصابته بجروح خطيرة. وأضاف: "عندما حاول النجاة بنفسه، أطلقت مسيّرة أخرى النار عليه، ما أدى إلى استشهاده على الفور".
ويتابع الأب بحرقة: "كان عاشقًا للبحر، ولم أتوقع أن أفقده بهذه السرعة".
ووفق بكر، قتل جيش الاحتلال منذ اندلاع الحرب 230 صيادًا في مناطق متفرقة من القطاع، إضافة إلى صيادين اثنين لقيا حتفهما غرقًا إثر انقلاب قاربهما أثناء العمل قرب الشاطئ.
وأشار إلى أن الانتهاكات بحق الصيادين تصاعدت خلال الحرب، واستمرت حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
وبيّن أن بحرية الاحتلال اعتقلت 8 صيادين خلال فترة الحرب، ثم اعتقلت 37 آخرين بعد سريان اتفاق وقف النار المبرم بوساطة عربية ودولية، وأفرجت عن 18 منهم فقط.
وأكد بكر أن قوارب الصيد ومعداته، التي كانت ترسو في حوض الميناء، لم تسلم من الغارات الجوية، إذ دُمّر أكثر من 90% من مقومات قطاع الصيد.
ويبلغ عدد الصيادين في غزة نحو 4500 صياد، إلا أن الحرب واستشهاد المئات واعتقال آخرين، فضلًا عن تدمير القوارب، أدت إلى تراجع عدد العاملين فعليًا إلى نحو 600 صياد فقط، بالكاد يوفرون 2% من احتياجات القطاع السنوية من الأسماك، المقدّرة بنحو 20 ألف طن.