مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية وتشديد قيود الاحتلال على إدخال المساعدات الإنسانية بما يناسب حاجة سكان قطاع غزة، أصبحت تكيات الطعام هي الملاذ الرئيس للأهالي للحصول على وجبات الإفطار الرمضانية خلال هذا الشهر الفضيل الذي يشهد انتشارا للمبادرات الخيرية التي تقدم الغذاء للأسر التي أنهكتها الحرب للعام الثالث تواليا.
قبل نحو ساعتين من أذان المغرب، يبدأ النازحون بالتجمع في ساحة ترابية أقيمت عليها تكية طعام في حي المشتل غرب مدينة غزة. تمتد الطوابير بصمت ثقيل، يحمل الأطفال أوعية بلاستيكية فارغة أكبر من أيديهم الصغيرة، في حين تقف الأمهات خلفهم تراقب البخار المتصاعد من قدرٍ ضخمة تغلي فوق نار الحطب، كأنه وعدٌ مؤجل بالنجاة ليومٍ آخر.
على أطراف الطابور، يجلس رجل مسن فوق حجر مكسور يضم وعاءً معدنياً إلى صدره، خشية أن يفقد دوره بعد ساعات الانتظار. تتعالى همسات خافتة كلما اقترب موعد التوزيع: هل سيكفي الطعام للجميع؟ هل سنعود بوجبة إفطار تسد جوع الجميع بعد ساعات من الصيام؟. ومع كل حركة للمتطوعين حول القدر، تتجه عشرات العيون دفعة واحدة نحو الملعقة الكبيرة أملاً بأن ينالون حصة كبيرة من هذا الطعام.
![]()
حين يعلو صوت المغرفة وهي تضرب حافة القدر، يتقدم الصف ببطء، ويشتد تمسك الأطفال بأوعيتهم، فيما تهمس أم لابنها الصغير: “انتبه… لا تُسقط شيئاً”. هنا، لا تبدو الوجبة مجرد طعام إفطار، بل طوق نجاة يومي لعائلات أنهكها النزوح، وغلاء الأسعار، ونقص المساعدات، حتى باتت هذه التكيات آخر ما يفصلها عن الجوع.
ساعات من الانتظار
تقف سمر البغدادي، (38 عاما)، عند حافة الطابور الذي يمتد أمام تكية الطعام، قابضة بيديها على قدر معدني صغير، وكأنها تحرس ما تبقى من قدرة على إطعام أطفالها. وصلت قبل ساعة من موعد التوزيع، ومع ذلك تجد نفسها في منتصف الصف، محاطة بنساء يحملن أوعية بلاستيكية.
نزحت البغدادي من شمال القطاع بعد أن دمر منزلها خلال القصف، وتحول حيها إلى منطقة تقع داخل ما يسمى "الخط الأصفر"، حيث يُمنع السكان من العودة. تقول وهي تنظر إلى الأرض تحت قدميها لصحيفة "فلسطين": "لم يبقَ لنا بيت نعود إليه… حتى الحي الذي عشنا فيه سنوات أصبح منطقة محرمة علينا".
![]()
تعيش البغدادي اليوم في غرفة مؤقتة داخل مبنى شبه مدمر مع ثلاث عائلات أخرى. تضع أغطية بلاستيكية على النوافذ المكسورة لتقي أطفالها الرياح، لكنها لا تستطيع حماية شعورهم الدائم بالجوع "أطفالي ينامون وهم جائعون أحيانا. أسوأ ما يمكن أن تشعر به الأم هو أن تعجز عن توفير لقمة لأبنائها".
تشرح أنها كانت تعتمد في البداية على ما تبقى من مدخرات زوجها، لكن الحرب الطويلة وارتفاع الأسعار دفعا الأسرة إلى حافة العوز الكامل "كل شيء أصبح غاليا بشكل لا يصدق.. البيض، اللحوم، الدجاج، حتى الخبز".
بالنسبة لها، لم تعد التكية خيارا مؤقتاً، بل ضرورة يومية "نحن لا نقف هنا لأننا نريد، بل لأننا لم نعد نملك بديلا".
![]()
يتحرك الطابور ببطء، ومع كل خطوة تتقدمها، يزداد قلقها من نفاد الطعام قبل وصول دورها. تلتفت إلى امرأة خلفها وتهمس بأن أمس انتهى الطعام قبل أن تحصل على شيء، فعادت إلى أطفالها بوعاء فارغ وسدوا جوعهم ببعض حبات التمر "عدت يومها وأنا أبكي… كيف أواجه أطفالا ينتظرون الطعام. بالنسبة لي استطاع تحمل الجوع ولكن أطفالي لا".
يمر طفلها الأصغر، آدم (6 أعوام)، بين الواقفين محاولا الوصول إليها. تمسح شعره بيد متعبة وتطلب منه الانتظار قرب الجدار.
"يسألني دائما: متى سنعود إلى بيتنا؟ لا أعرف ماذا أجيب" ترفع البغدادي رأسها نحو السماء الرمادية وتضيف بصوت خافت "لم نعد نريد شيئا من الدنيا… فقط أن يشعر أطفالنا بالشبع والأمان".
"ليست مجرد مبادرة خيرية"
عامر درويش صاحب تكية طعام في حي المشتل غرب مدينة غزة، يقول لصحيفة "فلسطين": "إن التكية لم تعد مجرد مبادرة خيرية لتوزيع الطعام، بل تحولت إلى خط إغاثة يومي يحفظ حياة آلاف الأسر".
![]()
وأضاف: "نحن لا نقدّم وجبات فحسب، بل نقدّم فرصة للبقاء. كثير من العائلات لا تمتلك أي مصدر للطعام، والتكية أصبحت مطبخهم الوحيد".
ويوضح أن التكية تقدم يوميا وجبات إفطار ساخنة بسيطة تعتمد على ما يتوفر من مواد، مثل الأرز والعدس والمعكرونة، وفي بعض الأيام الخضار، ومع غلاء أسعار اللحوم والدواجن تتضاءل فرص أن تحتوي وجبات الطعام على هذه اللحوم "أحيانا نطهو ما يتوفر فقط… العدس أو الأرز، والناس تقف في الطوابير منذ ساعات، لأن هذه الوجبة قد تكون الوحيدة خلال اليوم".
ويشير إلى أن أعداد المستفيدين في تزايد مستمر، خاصة مع فقدان مصادر الدخل وانقطاع المساعدات "بدأنا بعشرات العائلات، واليوم نطعم آلاف الأشخاص يوميا. الأعداد تتضاعف لأن الجوع يتسع".
![]()
يؤكد درويش أن التكيات لم تعد فقط لسد الجوع، بل أصبحت مساحة للتضامن المجتمعي والتكافل في ظل غياب منظومة الحماية الاجتماعية "التكية أصبحت مكانا يشعر فيه الناس أنهم لم يُتركوا وحدهم. هنا يجد النازح الطعام، وكلمة طيبة، وإحساسا بأن المجتمع ما زال متماسكا".
يضيف أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من المنتظرين يوميا، وأن مشاهدهم تعكس حجم الكارثة الإنسانية "أصعب ما نراه هو الأطفال الذين يحملون أوعية صغيرة وينتظرون بصمت. عندما ينتهي الطعام قبل وصولهم نشعر أننا خذلناهم".
ويحذر من أن استمرار نقص الإمدادات قد يهدد قدرة التكيات على الاستمرار "إذا لم تدخل المواد الغذائية بشكل منتظم، قد نضطر للتوقف. عندها لن يجد آلاف الناس أي شيء يأكلونه".
الملاذ الرئيس
![]()
يقول الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر لصحيفة "فلسطين" إن تحوّل "التكيات" إلى الملاذ الأخير للنازحين في قطاع غزة ليس ظاهرة طارئة، بل نتيجة مباشرة لانهيار المنظومة الاقتصادية والمعيشية بشكل شبه كامل منذ اندلاع الحرب واستمرار الحصار والقيود المفروضة على دخول السلع والمساعدات.
ويضيف: "لقد فقدت معظم الأسر مصادر دخلها، وتوقفت الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية، فيما انهارت القدرة الشرائية للأسر إلى مستويات غير مسبوقة. اليوم لم تعد العائلات تبحث عن تنويع غذائها، بل عن أي وجبة تسد الرمق، وهذا ما جعل التكيات تتحول من مبادرات خيرية موسمية إلى ركيزة بقاء يومية".
ويشير أبو قمر إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية لعب دورا حاسما في دفع السكان نحو الاعتماد على الطعام المجاني، موضحا: "أسعار السلع الأساسية ارتفعت نتيجة ندرة المعروض، وصعوبة إدخال البضائع، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الاحتكار المحدود الناتج عن شح الإمدادات. في المقابل، لا توجد سيولة نقدية لدى معظم الأسر، ما يجعل شراء الغذاء خيارا خارج القدرة تماما".
![]()
ويتابع: "المساعدات الإنسانية لم تعد كافية أو منتظمة، والقيود المفروضة على دخولها أدت إلى فجوات غذائية واسعة. عندما يتوقف تدفق المساعدات، وتختفي فرص العمل، ويصبح السوق غير قادر على توفير الغذاء بأسعار معقولة، فإن الناس تتجه قسرا إلى التكيات باعتبارها المصدر الوحيد المضمون للطعام".
يحذر من التداعيات طويلة المدى لهذا الاعتماد المتزايد، قائلا: "الاعتماد المستمر على وجبات الإغاثة مؤشر خطير على تفكك الاقتصاد المحلي ودخول المجتمع في مرحلة انعدام أمن غذائي حاد. إذا استمر هذا الوضع، فإننا لا نتحدث فقط عن أزمة جوع مؤقتة، بل عن آثار صحية واجتماعية ممتدة، تشمل سوء التغذية، وضعف المناعة، وتراجع قدرة الأطفال على النمو والتعلم".
ويختم أبو قمر تصريحه بالقول: "التكيات اليوم ليست خيارا إنسانيا فحسب، بل مرآة لانهيار اقتصادي شامل. استمرارها بهذا الشكل يعني أن الاقتصاد توقف عن أداء وظيفته الأساسية: تمكين الناس من تأمين احتياجاتهم بكرامة".

