لم تمضِ سوى ساعات على الغارة الإسرائيلية، حتى بدأت الكلاب الضالة تتسلل فوق الإسفلت الملطخ بالدماء. كانت كشرتها تُنذر بنباحٍ شرسٍ قبل أن تمتد أنيابها إلى جثامين الشهداء المُلقاة أرضًا، وتبدأ في نهشها، بنهمٍ شديد.
لم يكن ذلك مشهدًا من فيلمٍ وثائقي أو سينمائي يُعرض على قنوات التلفاز، بل واقعة حقيقية عاشها الشاب باسل الشامي، في منطقة الفالوجا، شمالي قطاع غزة، التي تحولت إلى ساحة موت ودمار، في خضِّم حربِ الإبادة الإسرائيلية.
يقول الشامي، البالغ (26 عامًا)، وهو من سكان مخيم جباليا، شمالاً: إنه نجا من المجزرة المروعة وأنياب الكلاب، بـ"معجزة"، لكن مشاهدها ما تزال عالقة في ذاكرته.
نزوح بلا أمان
منذ أن بدأ جيش الاحتلال اجتياحه البري المفاجئ للمخيم، وأحياء أخرى من المحافظة الشمالية للقطاع الساحلي، في الأسبوع الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2024، لم يعد يُهيمن على المنطقة سوى مشاهد الإبادة، عدا عن عمليات التدمير الواسعة وما رافقها من خرائط إخلاءٍ تُجبر مئات آلاف المواطنين على ترك مناطق سكنهم.
وتحتَ وطأةِ القصفِ وعُنف الانفجارات وما نتج عنها من "مذابح" ارتكبها جنود "الفرقة المدرعة (162)" في جيش الاحتلال، لجأ الشامي، الطالب في كلية التمريض بجامعة الأزهر، إلى مستشفى كمال عدوان، في مشروع بيت لاهيا، مع عدد من أبناء عمه ومئات النازحين، بعدما اعتقدوا أن أروقتها ستكون ملاذًا آمنًا.
إلا أنه في زمن الحرب، التي اندلعت في أكتوبر 2023، واستمرت عامين، لم يعد للأمان أي وجود.
ونتيجة لتوسيع جيش الاحتلال عدوانه، صار المستشفى واقعًا تحت حصار عسكري مطبق، كل شيء يتحرك في ساحته أو محيطهِ يُردى قتيلاً على الفور، فيما كان الرصاص يخترق النوافذ بلا هوادة، وأصوات الانفجارات التي سُمِع دويها في محافظات القطاع، لا تهدأ.
أما عن المشهد داخل المستشفى، كان يُدمي القلوب؛ مرضى ونازحون يتكدسون في الممرات بلا علاج، كهرباء مقطوعة ومياه شحيحة وغذاء مفقود، ونساء وأطفال يصرخون بصوت عالٍ مع كل انفجار يهز أرجاء المنطقة.
"كنت أحاول مساعدة المرضى والجرحى، لكن لم تتوفر لنا أي إمكانيات، كنا معرضون للموت في أي لحظة"، قال الشامي لصحيفة "فلسطين".
هروب إلى الموت
وبمرور قرابة أسبوع على بدء العدوان -الذي عُرف لاحقًا باجتياح المائة يوم- ازدادت الأوضاع الأمنية سوءًا مع اقتراب دبابات ومدرعات جيش الاحتلال من المستشفى. عندها همس أحدهم في أذن الشامي، إيذانًا للمغادرة على الرغم من المخاطر الكبيرة، فجيش الاحتلال لم يترك سبيلاً للنجاة أمام أحد؛ "كل شيء كان مستهدف، الحجر قبل البشر"، كما يضيف.
وبالفعل، فجر السبت، 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، أدى الشامي صلاته، وانطلق مع عشرات الشبان على دفعات من داخل المستشفى، لم يكن أحد منهم يعلم أنهم ذاهبون إلى حقل مفتوح على الموت.
بين شوارع ضيقة يملؤها رُكام المنازل المدمرة، سار الباحثون عن النجاة، بهدوء مُحاولين تفادي رؤيتهم من الطائرات الحربية التي تداخل هديرها مع أزيز الطائرات من دون طيار وتُعرف غزِّيًا بـ"الزنانة"، عدا عن مُسيَّرات "كواد كابتر" التي تلبدت بها سماء المنطقة.
لكن ذلك على ما يبدو، لم يكن كافيًا.
في الصباح الباكر من ذلك اليوم، وفي أجواء شديدة البرودة، وصل الباحثون عن النجاة، ومن بينهم الشامي واثنين من أبناء عمه، بعد مسيرٍ مُتقطع، إلى شارع في منطقة الفالوجا، اعتقدوا أنه أكثر أمانًا. حاولوا جميعًا مُداراةِ أجسادهم تحت كتلٍ اسمنتية دمرها القصف، في حين لم يكن في المنطقة دبابات ظاهرة، ولا جنود إسرائيليين في الأفق القريب.
تبادل الشامي نظرات الارتياح مع ابنا عمه الشقيقين محمود وطلحة، قال أحدهم: "ربما ننجو.." لكنه لم يُكمل الجملة.
فجأة؛ ظهر طنين خافت صادر من السماء، رفع الشامي رأسه بِحذر محاولاً تحديد مصدر الصوت، ثم سقط الصاروخ الأول. لم يسمع الانفجار بسبب قربه منه، لكنه شعر عندما أطاحته أرضًا موجة ضغطٍ قوية ملأت أذنيه بصفير حاد، رافقها كتلة مُلتهبة من النيران.
قبل أن يستوعب الشامي ما جرى، وعندما حاول أن ينظر حوله بينما كان يتألم بشدة، أطلقت "الزنانة" -المُحلقةِ على علوٍ مُنخفض جدًا- صاروخًا ثانٍ وأتبعته بالثالث مباشرة.. هذه المرة رأى أمامه أشلاءً تتطاير، وأجسادًا تساقطت.
أنياب فتاكة
في لحظةٍ ما، اختلط صراخ الشامي بغبار القصف الذي حجب الرؤية في ذلك الوقت، وعندما انقشع جزءًا منه تكشَّفت الكارثة؛ عشرات الجثامين مُلقاة أمامه بلا حراك، تتدفق منها الدماء بغزارة.
وبينما فارق محمود (30 عامًا) الحياة على الفور، كان شقيقه طلحة (23 عامًا) يلتقط أنفاسه بثقلٍ شديد.
أما بالنسبة لابن عمهما، الشامي، فقد أصيب بشظايا اخترقت أنحاء جسده، وجعلته غير قادر على الحركة.
في ذلك اليوم، كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة صباحًا، لم يتمكن أحد من الوصول إلى الجثامين في المنطقة المكشوفة، وأي حركة تُقابل بإطلاق نار مباشر.
وعندما هَبط المساء، بدأت الكلاب الضالة تتسلل إلى المكان الذي تفوح منه رائحة الموت.
الشامي، كان ما يزال على قيد الحياة، وقد استفاد من خبرته كحكيم متطوع في ربط جروحه والحد قليلاً من النزيف. وعلى الرغم من آلامه، إلا أنه استطاع إزاحة جسده مسافة لا تتجاوز بضعة أمتارٍ، مُحاولاً إخفاء نفسه تحت كتلة خرسانية بعيدًا عن أعين الطائرات التي تحوم في سماء المنطقة.
قال الشامي وبدا مُتألمًا: "فجأة، ظهرت الكلاب، عددها يفوق السبعة.. كانت تهمِّر بشكل مخيف، أصبت بالرعب وأنا أشاهدها".
"كشَّرت عن أسنانها وهي تدور بحذر وتشمّ رائحة الدماء، اقتربت ومن ثم غرست أنيابها في الأجساد"، كزَّ على أسنانه من شدة الغضب وهو يصف المشهد المروع، قبل أن يضرب جبينه بيمينه.
أمام هذه المأساة، لم يتمكن الشامي من فعل شيء، سوى أن يُوثق بنظراته آثار المجزرة التي بدأها جيش الاحتلال وأكملتها الكلاب الضالة. وعندما عاد الضوء في صباح اليوم التالي، لم يبقَ من الأجساد، سوى ملابس مُمزقة، تظهر من تحتها بقايا هياكل عظمية.
أما المشهد الأصعب، بحسب وصفه، عندما اقترب كلب من جثمان ابن عمه محمود، الملقى بجواره، وغرس فكه في رقبته بلا رحمة، ونهشها بعنف، قبل أن تتكالب على جُثمانه الطاهر باقي الكلاب.
حينها كان الشاب الجريح يُحاول إبقاء نفسه على قيد الحياة في مكان خلى من كل شيء، إلا من رائحة البارود والدم والكلاب. مكث هناك قرابة 48 ساعة قبل أن يطل من بعيد مئات المواطنين يحملون شارات بيضاء، وقد أجبرهم جيش الاحتلال على خلع ملابسهم قبل أن يقتادهم بواسطة مسيرة "كواد كابتر" إلى حاجز عسكري قريب.
مُعجِزةُ النَجاة
همس بصوت خافت، فسمعوه، أحضر مواطنون بطانية رطبة، وأخذوه معهم إلى الحاجز، لتبدأ بعدها قصة قهر وعذاب في معتقل "سدي تيمان"، سيء الصيت والسمعة، وسجن "عوفر" في الداخل الفلسطيني المحتل.
عن ذلك، يقول الشامي: "لم يراعِ جنود الاحتلال ظروف إصابتي وكأنهم انتزعوا الرحمة من قلوبهم، تعرضت للضرب والإهانة، كانوا يعرفون أنني حكيمًا، لكن ذلك لم يشفع لي أمام القهر والتعذيب".
وعندما أطلق سراحه بعد اعتقال استمر قرابة 100 يوم، كان الشامي يُعاني وضعًا صحيًا سيئًا للغاية.
بعد أشهر طويلة، بدأت حالته الصحية تتماثل للشفاء، وصار قادرًا على الحركة والتنقل، لكن ذاكرته لم تشفَ بعد على الرغم من مرور أكثر من عام على نجاته من سجون القهر والتعذيب.
يقول: إنه "ما يزال يتألم، لكن الألم الحقيقي يسكن رأسه".
عندما يجلس الشامي وحيدًا ويخفت كل شيء، يعود صوت النباح، يرى في ذاكرته الشارع ذاته والعظام التي خلَّفتها الكلاب. يستذكر نجاة سيدنا يونس -عليه السلام- من بطن الحوت بمعجزة "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"، إذ إنه لم يَكُفَّ عن ترديد هذا الدعاء بصوت خافت عندما اقتربت الكلاب منه، ولم تؤذه مطلقًا.
وإن كان هذا الشاب، قد نجا من ثلاثة صواريخ إسرائيلية، ونزيف حاد كاد يقتله، ومئة يوم في الاعتقال، فإن الجرح الأكبر بقي مغروس على هيئة صور لن يمحوها تعاقب السنين من الذاكرة؛ سماء ملبدة بالطائرات، وأنياب قاتلة فتكت بجثامين طاهرة.