قائمة الموقع

رمضان بين الخِيام... أطفالٌ بلا زِينة ولا ألعاب للعام الثالث

2026-02-21T10:18:00+02:00
تهنئة بقدوم شهر رمضان المبارك على أحد جدران مدينة غزة
فلسطين أون لاين

مع اقتراب أذان المغرب، تتحرك الأمهات في مركز لإيواء نازحي الحرب، يحملن أواني بسيطة توضع فوق مواقد بدائية، يركض بجوارهن أطفال صغار بين الممرات الضيقة، تتعالى ضحكاتهم أحيانًا لكنها سرعان ما تخفت تحت ثِقل الخيام.

يحل شهر رمضان للعام الثالث على التوالي، على آلاف العائلات تحت أسقف خيامٍ لا تقي سُكانها حرارة الطقس ولا برودته، بعيدًا عن منازلها التي دمرتها حرب الإبادة الإسرائيلية، أو أجبرتها المخاطر على تركها تحت وطأة القتل والتدمير.

لم يعدّ رمضان كما كان؛ فلا فوانيس معلّقة في الخيام، ولا زينة تملأ أروقة مراكز الإيواء.

على امتداد ساحة ملعب اليرموك، ومدرجاته الواسعة، في وسط مدينة غزة، تتناثر الخيام يجتمع الأطفال في ساعات النهار الطويل، ويلعبون بقطع بلاستيكية مكسرة، أو بكرة مهترئة يتناقلونها بينهم. تتسخ ملابسهم سريعًا في بيئة الخيام القاسية، وتغطي أقدامهم طبقة من الغبار، لكنهم لا يُبالون؛ فاللعب ليس ترفًا بالنسبة لهم، بل محاولة للهروب من ضيق الخيمة.

تحت سقف إحدى الخيام المهترئة، تعيش غدير شلحة مع والدتها، وأطفالها الأربعة، بلا مُعيل منذ أن فقدت زوجها رأفت شلحة (32 عامًا) في قصف إسرائيلي استهدف مجموعة مواطنين، يوم 7 نوفمبر/ تشرين الأول 2024.

تقول وهي تحاول ترتيب أغطية داخل الخيمة: "أصعب ما في الأمر أن الأطفال يسألون عن زينة رمضان بعدما كانوا في السابق يعلّقون الفوانيس بأيديهم، أما اليوم فيسألون: متى نعود إلى بيتنا؟"

كان لأرملة الحرب هذه، بيت عاشت فيه أعواما طويلة بهدوء واستقرار، قبل أن تندلع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. منذ ذلك اليوم، تعيش العائلة قسوة الإبادة التي مارسها جيش الاحتلال الإسرائيلي، ومرارة النزوح المتكرر الذي لم ينته بعد.

المعاناة الأكبر لهذه العائلة، تمثلت بتدمير منزلها بالكامل، في بلدة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، البلدة التي مُسحت بشكل شبه كامل.

تضيف: "منذ أن رحل زوجي تضاعفت معاناتنا. نعيش بلا معيل، وحياتنا أصبحت بلا حياة".

غدير، البالغة (30 عامًا)، هي آم لأربعة أطفال أيتام، جنى (12 عامًا)، أمير (9 أعوام)، زين (7 أعوام)، تولين (5 أعوام).

وتابعت: "بعد أن بدأت الحرب غابت أجواء رمضان والعيد عنَّا، وبعد أن فقدت زوجي صرت وأبنائي نشعر أننا فقدنا كل شيء. يسألني أبنائي متى سيعود والدهم، فلا أجد إجابة للرد عليهم".

والخيمة التي تعيش فيها غدير مع أطفالها ووالدتها، تفتقد لأدنى مقومات الحياة الآدمية، لكن على الرغم من ذلك تحاول الحفاظ على ما تبقى من حياة. يجلس الجميع على حصير بسيط وقت الإفطار، يتشاركون ما تيسر من الطعام، لا موائد عامرة كما في الماضي، لكن هناك حرص على البقاء معًا.

اقرأ أيضًا: رمضان بلا أمّ ولا "يوسف"… عائلة عسلية وحكاية الفقد المتكرر

في قطاع غزة، الذي تكتظ فيه الشوارع والمدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء مؤقتة، يعيش النازحون ظروف إنسانية صعبة، ليس منذ اندلاع الحرب فحسب، بل حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.

في زاوية أخرى من مركز الإيواء نفسه الذي تعيش فيه غدير منذ أشهر طويلة، يجلس الشاب محمد مسعود (35 عامًا) يهيمن عليه صمت ثقيل، يتأمل أبناءه وهم يتناولون طعامهم، فيما تتابعه الأم صابرين، بحيرة وصمت بالغ.

الأطفال بدورهم يشعرون باختلاف كبير في حياتهم اليومية منذ أن دمر قصف جوي عنيف منزلهم السكني في مُخيم جباليا، شمالي القطاع. لم يعبروا عن ذلك بالكلمات لكن نظراتهم تختصر أمنياتهم الصغيرة المحرومين وحجم التغيير الذي طرأ على حياتهم منذ اندلاع الحرب؛ أما أقصى آمالهم، حذاء جديد، ولعبة صغيرة، وأجواء رمضانية مفقودة منذ 3 سنوات.

الزوجان محمد وصابرين، لديهم من الأطفال سبعة، أكبرهم منال (11 عامًا)، وأصغرهم التوأمين أركان وكيان، البالغين قرابة عامين، وقد رزقا بهما في خضَّم الحرب، ما زاد من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الأبوين.

يضيف محمد (35 عامًا): "لم نعد نبحث عن أجواء رمضان، ولا عن زينته التي كنا نُعلقها في منزلنا المدمر، نحن نبحث فقط عن سلامة أطفالنا، ولقمة تسدّ جوعهم".

قبل الحرب، عمل محمد في عدة أشغال، منها بائع للخضروات، وسائق مركبة "تكتك"، من خلالها كان يحصل ما يسد رمق أفراد أسرته المُنهكة جراء الحرب، لكنه الآن فقد مصادر الدخل جميعها، وصار يعتمد أساسًا على الطعام المُقدم من التكيات والمبادرات الخيرية.

في مركز الإيواء هذا، الذي يتشابه مع مئات المركز المنتشرة في محافظات القطاع الساحلي، لم يعدّ رمضان كما عرفته العائلات النازحة سابقًا؛ لا زيارات عائلية، ولا تجمعات كبيرة، ولا أجواء احتفالية ينعم بها الأطفال، حتى صلاة التراويح تُقام في مساحة محدودة، يصطف فيها الرجال جنبًا إلى جنب، بينما تراقبهم عيون الأطفال بصمت.

اخبار ذات صلة