بدا الاجتماع الأول لما أُطلق عليه "مجلس السلام" حدثاً مصمماً بعناية فائقة لالتقاط الصور التذكارية، لكنه غارق في العجز التام عن ملامسة الواقع.
عبارات دبلوماسية منمقة ووعود فضفاضة بالاستقرار، تقابلها حقيقة صارخة على الأرض: استمرار الاحتلال في انتهاكاته الممنهجة، وتجاوزه الفج للاتفاق المتعلق بإعلان ترامب في أكتوبر الماضي.
من العبث التعاطي مع أي مسار سياسي في ظل تعمد تفريغ الاتفاقات من مضمونها. فالخروقات الإسرائيلية المتواصلة لوقف إطلاق النار، واستهداف المناطق السكنية والنازحين، لم تعد مجرد حوادث عابرة، بل استحالت استراتيجية لنسف أسس الاستقرار.
وفي خضم هذا التصعيد، غابت عن مخرجات "مجلس السلام" أي آليات رقابة حقيقية أو جداول زمنية تُلزم حكومة الاحتلال بوقف عدوانها، وكأن الهدف من هذا الإطار الجديد هو إدارة الأزمة وتدويرها، لا معالجتها من جذورها.
لا ينبع الاستياء من رفض الدبلوماسية، بل من المفارقة الموجعة بين طاولات الاجتماعات والمعاناة الطاحنة.
فبينما تُتلى البيانات، يشتد خنق قطاع غزة وتتفاقم الكارثة الإنسانية.
استمرار اغلاق المعبر فعليًا ، والتعطيل المتعمد لحركة المرضى والمسافرين عبر معبر رفح، هي الترجمة الفعلية لفشل هذه الأطر في إحداث أي "نقلة نوعية فعلية".
ولا يتوقف المشهد هنا، فالتجاهل يمتد ليشمل كافة بنود الاتفاق.
إن أي قيمة سياسية لـ"مجلس السلام" لا تُقاس بحجم التغطية الإعلامية، بل بمدى انعكاس قراراته على هذا الواقع الميداني المعقد.
المطلوب ليس استنساخ منصات خطابية تمنح الاحتلال غطاءً للتمادي، بل إرادة دولية تفرض تنفيذ اتفاق أكتوبر بشكل كامل وغير انتقائي.
ختاماً، الالتزام بالسلام ليس شعاراً استهلاكياً يُرفع أمام الكاميرات، بل فعل جاد يُختبر على الأرض.
وأمام صمود شعبنا و مجتمعنا وتكافله لتجاوز هذه المحنة، يبقى ما جرى في أروقة المجلس مجرد مسرحية سياسية مكتملة الإخراج، تفتقر تماماً إلى الجوهر الحقيقي الذي يغير وقائع الظلم والحصار.

