تدخل غزة شهر رمضان وهي تعيش واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية والإنسانية.
الطقوس التي اعتادها السكان من ازدحام الأسواق وروائح الخبز الساخن وصوت الباعة قبيل الإفطار تراجعت أمام واقعٍ قاسٍ عنوانه نقص الموارد، وغياب الدخل، واعتماد شبه كامل على المساعدات.
تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى أن اقتصاد القطاع شهد انكماشًا حادًا تجاوز 80% منذ اندلاع الحرب الأخيرة، وهو تراجع غير مسبوق في فترة زمنية قصيرة. هذا الانهيار انعكس مباشرة على مستوى الدخل الفردي، إذ هبط إلى مستويات متدنية للغاية مقارنة بالسنوات السابقة، ما جعل غالبية السكان عاجزين عن تأمين الاحتياجات الأساسية دون دعم خارجي.
أما البطالة، فقد بلغت معدلات قياسية وفق بيانات متداولة في الصحف الدولية استنادًا إلى تقديرات أممية، إذ تقترب من 80% بين القوى العاملة.
النسبة تعني عمليًا أن معظم الشباب القادرين على العمل بلا مصدر دخل ثابت. قطاعات التجارة والصناعة والخدمات تكبدت خسائر جسيمة نتيجة تدمير البنية التحتية وتوقف عجلة الإنتاج، ما أفرغ السوق المحلي من فرص العمل وأضعف القدرة الشرائية إلى حد كبير.
في موازاة ذلك، تؤكد تقارير إنسانية أن أكثر من 90% من سكان القطاع باتوا يعتمدون بدرجات متفاوتة على المساعدات الغذائية. بعض التقديرات تتحدث عن وصول نسبة الفقر إلى مستويات غير مسبوقة تقترب من الشمول، في ظل غياب أي نشاط اقتصادي منتظم. هذه الأرقام لا تعكس مجرد أزمة مالية، بل تعبر عن تحولات اجتماعية عميقة؛ عائلات فقدت معيلها أو مصدر رزقها، وأسر انتقلت من الاكتفاء النسبي إلى البحث اليومي عن سلة غذائية.
رمضان، الذي يُفترض أن يكون موسمًا للحركة التجارية والإنفاق الاستهلاكي، أصبح في غزة شهرًا لتدبير الحد الأدنى. التجار يشتكون من ركود حاد، والمواطنون يتحدثون عن قوائم مشتريات مختصرة تقتصر على الضروريات. الارتفاع في أسعار بعض السلع، إلى جانب صعوبة إدخال البضائع بشكل منتظم، فاقم العبء على الأسر ذات الدخل المحدود.
رغم ذلك، لا يغيب مشهد التكافل. مبادرات شبابية محلية تسعى لتوزيع وجبات إفطار بسيطة، ومؤسسات خيرية تكثف حملات الدعم، فيما تتقاسم عائلات ما يتوافر لديها من طعام. هذا التضامن الأهلي أصبح عنصرًا أساسيًا في مواجهة الأزمة، لكنه يظل محدودًا أمام حجم الاحتياجات المتزايدة.
اقتصاديون يحذرون من أن استمرار هذا الوضع من دون إعادة إعمار شاملة وفتح مسارات اقتصادية حقيقية سيؤدي إلى آثار طويلة الأمد، تشمل فقدان المهارات وهجرة الكفاءات وتآكل الطبقة الوسطى. التعافي لا يتطلب فقط مساعدات إنسانية طارئة، بل يحتاج إلى استقرار يسمح بإعادة تشغيل المصانع، وإحياء الزراعة، وتنشيط حركة التجارة.
بين أرقام البطالة والفقر، وبين أصوات الدعاء في ليالي رمضان، تقف غزة عند مفترق طرق صعب. سكانها يواصلون التمسك بما تبقى من مظاهر الحياة الطبيعية، فيما تتزايد الدعوات الدولية لوقف الحرب وتهيئة بيئة تتيح إعادة بناء الاقتصاد. يبقى الأمل حاضرًا بأن يحمل هذا الشهر، رغم قسوته، بداية مسار يخفف من معاناة مدينة أنهكتها الأزمات المتراكمة، ويمنح أهلها فرصة لاستعادة حقهم في حياة آمنة واقتصاد مستقر.