قائمة الموقع

سوق الزاوية في رمضان… بين الهدوء الحاضر وذكريات الماضي

2026-02-18T09:13:00+02:00
استعدادات في سوق الزاوية بغزة لاستقبال شهر رمضان المبارك
فلسطين أون لاين

كان سوق الزاوية في مدينة غزة دائمًا علامة على قرب شهر رمضان؛ يكفي المرور بين أزقته لتشم رائحة البهارات، وتسمع ضحكات الأطفال بين محال الفوانيس والزينة، لتدرك أن المدينة بدأت استعداداتها للشهر الكريم. كان السوق قلب المدينة النابض، والمكان الذي تبدأ منه الحكايات الصغيرة لكل بيت، من شراء التمر الأول إلى اختيار الفانوس الذي يزين أبواب المنازل.

قبل سنوات الحرب الطويلة، كانت الأزقة تضيق بالناس لا بالركام، ومحلات البهارات تبدو كلوحة حية من الألوان؛ تلال الكركم والكمون والبابريكا تنبعث منها روائح تفتح الشهية قبل الإفطار بساعات. يقف البائع مبتسمًا، يعرف زبائنه بأسمائهم، ويقترح عليهم "خلطة رمضان" الخاصة التي تكفي لشهر كامل من المأكولات الرمضانية التقليدية.

إلى جوارها، تصطف محال المخللات بأوانيها الزجاجية الكبيرة، كأنها جنود ملونة: خيار أخضر، فلفل أحمر، ليمون مغمور بالملح، وزيتون أسود يلمع تحت الضوء. الناس يتذوقون القليل قبل الشراء، ويتجادلون بشأن الأفضل، في حين يسجل البائع الأسعار بسرعة قبل أن يلتفت للزبون التالي.

أما محال الفوانيس والزينة، فكانت الأكثر صخبًا، بأضوائها الصغيرة المتدلية من الأزقة، والنجوم والهلالات الورقية، وسلاسل الزينة الممتدة من باب إلى باب. كان الأطفال يقفون طويلًا أمام الفوانيس، يضغطون على أزرارها ليستمعوا للأناشيد الرمضانية، ثم يركضون نحو آبائهم: "نريد هذا الفانوس، ليس غيره". وفي نهاية الجولة، يعود كل بيت بكيس صغير يحمل شيئًا من الفرح، ولو كان بسيطًا.

سوق الزاوية بعد الحرب

اليوم، وبعد ثلاث سنوات من الحرب التي أعادت تشكيل المدينة، تبدو الصورة مختلفة تمامًا. السوق ما زال موجودًا، لكن ملامحه تغيرت؛ كثير من المحال أغلقت أبوابها، وبعضها بلا واجهات، واختفت الألوان التي كانت تملأ العين.

محال البهارات أصبحت تفتح جزئيًا، تعرض كميات قليلة موضوعة بحذر، وكأنها تخشى النفاد. لم تعد هناك تلال من الألوان، بل علب صغيرة متفرقة يشتري الناس منها ما يكفي يومًا أو يومين فقط.

محال المخللات فقدت ازدحامها المعتاد، والأواني الكبيرة غابت لتحل مكانها أوعية قليلة، بعضها فارغ وبعضها يحتوي كميات محدودة. لم يعد الناس يسألون عن "أفضل نوع"، بل يسألون: هل ما زال متوفرًا؟ وكم الكمية الممكن شراؤها؟ والبائع الذي كان يمازح زبائنه صار أكثر صمتًا، يزن الطلب بسرعة ويعيد ترتيب بضاعته القليلة كأنه يخشى النفاد قبل نهاية اليوم.

أما الفوانيس والزينة، فغيابها صار ملحوظًا؛ الأزقة التي كانت تتلألأ بالأضواء الآن شبه خالية، لا أغانٍ رمضانية، ولا سلاسل معلقة، إلا بعض الدكاكين التي حاولت تعليق بضع سلاسل ورقية بسيطة لمقاومة الفراغ.

حتى أدوات المطبخ التي كانت تُعرض بكثرة في رمضان اختفت تقريبًا؛ لا أوانٍ جديدة، ولا أطقم ملونة كانت تُشترى خصيصًا للشهر الكريم. الموجود الآن أدوات بسيطة، بعضها مستعمل، وبعضها الآخر بكميات محدودة، تُعكس واقع الشراء بدافع الحاجة وليس الاحتفال.

ذاكرة المكان

ورغم ذلك، لا يزال السوق يحتفظ بشيء لا تمحوه الحرب: الذكريات. كبار السن يتوقفون أحيانًا عند أماكن معينة، يشيرون لأطفالهم: "هنا كان محل الفوانيس" أو "هنا كنا نشتري المخللات كل رمضان"، يبتسمون للحظة، ثم يواصلون السير بصمت، كأنهم يحرسون ذكريات المكان.

وفي المساء، قبل أذان المغرب، يمكن رؤية عدد قليل من الناس يتجول في السوق؛ ليس الازدحام القديم، ولا الضجيج المعتاد، لكن الحركة موجودة، كنبض خافت يذكّر بأن الحياة، رغم كل شيء، لم تتوقف تمامًا. بعض الباعة يفتحون محالهم لساعات قليلة، وبعض الأهالي يشترون ما يستطيعون، ثم يعودون إلى بيوتهم بأكياس صغيرة، أخف بكثير مما كانوا يحملون في سنوات مضت.

رمضان في سوق الزاوية لم يعد كما كان، لكنه لم يختفِ أيضًا؛ هو مساحة بين زمنين: زمن قديم مليء بالأضواء والروائح والضحكات، وزمن حاضر أكثر هدوءًا وأقل ألوانًا، لكنه ما زال يحتفظ ببذرة الأمل. ربما لا تعود الفوانيس كما كانت، وربما لا تمتلئ الرفوف بسرعة، لكن ذاكرة المكان في قلوب الناس لا تزال قادرة على إعادة الحكاية يومًا ما، عندما تعود الأزقة لتضيق بالناس بدلًا من أن تضيق بالصمت.

اخبار ذات صلة