عندما بدأ جيش الاحتلال حرب الإبادة ضِد سُكان قِطاع غزة، في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يتوقع عُمر أبو علي (34 عامًا)، أن يغدو ضحيةً للمجازر الإسرائيلية المُروعة بحق المدنيين، لكنها تركت كابوسًا ثقيلاً سيطارده طيلة حياته.
في زاويةٍ باردة داخل منزل العائلة في مُخيم الشاطئ، غَرب مدينة غزة، يرقُد الجريح على سريرٍ طبي، يُحيط به ألمٌ وصمتٌ شديديْن يقطعهما صوت أطفاله وهم يلعبون أمامه. يَنظر إليهم بِعينين تَحكيان مأساة الإصابة بنيران إسرائيلية بترت ساقيه الاثنتيْن، وجعلته طريح الفِراش.
طالع المزيد: في يومهم العالميّ .. ذوو الإعاقة في غزّة يطالبون بالعلاج والأطراف الصناعية
لم يكن يوم الإثنين، 22 سبتمبر/ أيلول 2025، عاديًا في حياةِ عمر وعائلته، لاسيما بعد أن كثَّف جيش الاحتلال قصفه الجوي لمدينة غزة، مُحاولاً دفع المواطنين للنزوح قسرًا إلى جنوبي القطاع الساحلي، ضمن سياسة اتبعها منذ اندلاع الحرب.
وكان مخيم الشاطئ من المناطق التي تلقَّت ضربات جوية عنيفة دمرت مربعات سكنية كاملة، في الوقت نفسه كانت سماؤه ملبدة بالطائرات الحربية المسيَّرة بدون طيار وتعرف غزيِّا بـ"الزنانة". وبينما استطاع عمر إخراج زوجته إلى منطقة اعتقد أنها آمنة، بقي شقيقه الأصغر منه، إبراهيم (26 عامًا) مع زوجته أسماء (24 عامًا) وطفلتهما الوحيدة هبة البالغة عامًا ونصف، داخل منزل العائلة في المخيم المُطل على شاطئ بحر غزة.
لكن ذلك لم يرُق لعمر، وبينما كان القصف يشتد على المخيم، وتتصاعد معه كتل رهيبة من النيران وأعمدة الدخان، عاد إلى المنزل لإخراج شقيقه وزوجته وطفلته.
يقول لصحيفة "فلسطين": "كانت الأوضاع سيئة للغاية، والمخاطر كبيرة، لكن كنت خائفًا على أخي وأسرته.. القصف لا يرحم، ويستهدف كل شيء".
في ذلك اليوم، أقنع عمر شقيقه بضرورة مغادرة المُخيم والذهاب إلى أي مكان آخر بعدما كان يرفض تمامًا فكرة النزوح. خرج الشقيقان من المنزل معًا وسارا بين أزقة المخيم الضيقة في حين أن أصوات القصف لم تهدأ بعد.
يضيف: "عندما خرجنا مشينا بخطوات سريعة وقطعنا قرابة 150 مترًا.. كنا نعتقد أننا وصلنا إلى مكان آمن".
لكن فجأة وقعت الكارثة. طائرة حربية بدون طيار، أطلقت صاروخًا واحدًا على الأقل أصاب مُباشرة عمر وشقيقه الذي كان يُمسك بيدي زوجته وطفلته.
دوى صوت انفجار عالٍ، اهتزت له أرجاء مخيم الشاطئ، ما دفع شقيقهما محمد (40 عامًا) إلى المجيء مُسرعًا بسبب قُربه من المنطقة، ليُفجع بأن الشابين الملقييْن أرضًا ومضرجين بدمائهما، هما شقيقيه، عمر الذي كان ينزف بشدة، وإبراهيم الذي فارق الحياة على الفور.
طالع المزيد: مبتورو الأطراف في غزة.. أجساد مثخنة بالجراح بلا دواء ولا علاج
أما أسماء وطفلتها، فقد أصيبتا جرَّاء القصف بجروح عميقة في أنحاء جسديهما.
يستذكر عمر بصعوبة الساعات الأولى للإصابة، ويروي أنه عندما وصل إلى مجمع الشفاء، كان غائبًا عن الوعي تمامًا، وحالته الصحية ميؤوس منها بسبب الشظايا الملتهبة التي لفظها الانفجار واخترقت جسده بلا رحمة.
ليس ذلك فحسب، بل إنها سببت تهتكات شديدة في الساقيْن، وأدت إلى بتر إحداها على الفور، ما جعله بحاجة إلى أكثر من 20 وحدة دماء استطاع مُتبرعون توفيرها في وقت قياسي، قبل أن يقرر الأطباء بتر ساقه الأخرى.
يروي عُمر أيضًا أن أحد الأطباء كان يتساءل عندما رآه: "كيف بقي على قيد الحياة؟" وفق شهادة نقلها له والده، مربي الأجيال، الدكتور عبد القادر أبو علي، والذي شغل لسنوات مدير التربية والتعليم غرب غزة.
وبينما شارك الأب في مُواراة جُثمان نجله إبراهيم تحت ثرى مدينة غزة، رافق نجله الجريح عمر في أول رحلة عِلاجية في مُجمع الشفاء بعد الإصابة، والتي لم تتجاوز يومًا واحدًا، حيث نقله إلى المستشفى البلجيكي في بلدة الزوايدة، وسط قطاع غزة، مع تردي الأوضاع الأمنية وتوسيع جيش الاحتلال اجتياحه البري لعدة محاور في المدينة.
يقول عُمر: "خضعت للعلاج في المستشفى البلجيكي على مدار 55 يومًا، ومررت بظروفٍ صحية سيئة بسبب الإصابة".
يتابع حديثه بصوتٍ خافت: "أصبت بنزيف داخلي حاد أدى إلى توقف قلبي مرتيْن، ما جعل الأطباء يطلبون مجيء أفراد عائلتي على الفور لوداعي".
لكن القدر شاء لعمر أن ينجو من الموت بأعجوبة، بعد جهود كبيرة بذلها الأطباء لإنقاذ حياته.
يعترف أن الإصابة "شلَّت حياته"، كما يصف، وحالت دون تمكينه من إعالة زوجته وأطفاله الأربعة، أكبرهم محمد (9 أعوام)، وأصغرهم سيرين، المولودة حديثًا، إذ كان قبل الحرب يتحرك بحرية مطلقة، ويعمل في التجارة الحرة على الرغم أنه أكمل الثانوية العامة، الفرع العلمي، بمعدل 81 بالمائة، وحصل على بكالوريوس في تخصص الرياضيات من الجامعة الإسلامية.
وبعد سنوات طويلة من العمل الشاق، استطاع عمر تجهيز شقته السكنية في منزل العائلة، لكن جيش الاحتلال قصفها ودمرها بالكامل، ولم يجد أمامه سوى غرفةٍ صغيرة في شقة والده، صارت الملاذ الأخير لعائلته.
وبعدما كان هذا الشاب يسعى لتوفير حياة كريمة لزوجته وأطفاله، ويطمح لشراء منزل خاص بهم، صار الآن طريح الفراش يعتمد كليًا على الآخرين في كل حركة يقوم بها.
وبينما يخضع عمر لجلسات تأهيل وعلاج طبيعي مرتيْن أسبوعيًا في مستشفى حمد القطري، شمالي قطاع غزة، ما يزال ينتظر علاج قد توفره أي دولة عربية أو أجنبية مستضيفة بعد حصوله على تحويلة لسفر مؤجل عبر معبر رفح الواقع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، جنوبًا.
ومع استمرار احتلال الجانب الفلسطيني من المعبر على الرغم من بدء المرحلة الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار، يبدو السفر للعلاج حُلمًا صعب المنال، ليس بالنسبة لعمر فحسب، بل لقرابة 5 آلاف جريح أصيبوا بالبتر في الأطراف إبَّان حرب الإبادة، وفق مدير وحدة المعلومات في وزارة الصحة زاهر الوحيدي، والذي بيَّن لـ"فلسطين"، أن قرابة 20 ألف جريح بحاجة إلى نقلهم خارج غزة، بعد حصولهم على تحويلات طبية، واعتمادها، بانتظار قبولهم من الدول المستضيفة لعلاجهم في مستشفياتها.
يتابع الجريح عُمر، بعد أن أطلق تنهيدة دلَّت على حجم الألم الذي يعتمل قلبه: "أريد أن أسير مجددًا، وأتنقل بين أزقة المخيم.. فقط أريد طرفيْن صناعييْن".