فضائح جيفري ايبسين تعود بذاكرتي إلى إسبانيا، قبل عشرين سنة خلت، شهر أكتوبر سنة 2006، يوم استضافني السفير الفلسطيني د. كفاح عودة وبرفقة رئيس سلطة الطاقة الفلسطينية د. عمر كتانة إلى وجبة عشاء، في إحدى مطاعم العاصمة مدريد، وقد شاركنا العشاء في ذلك المساء نائب السفير السيد موسى أبو نعيم، المعروف باسم "نجيب".
في ذلك المساء؛ انصب حديثنا على المشاكل القائمة بين سلطة الطاقة الفلسطينية، وشركة توليد الكهرباء في غزة، الشركة التي تحوم الشكوك حول طريقة تشكيلها، والأهداف من تشكيلها، بما في ذلك آلية تشكيل مجلس إدارة الشركة، ونصيب الشركاء الغرباء في الشركة، وكيف يتم اقتناص المال الفلسطيني السائب لحفنة من المنتفقين الذين تتعارض مصالحهم مع المصلحة الفلسطينية العليا.
في ذلك المساء، حدثنا الدكتور عمر كتانة عن الخلافات القائمة بين سلطة الطاقة الفلسطينية وشركة توليد الكهرباء، ومن ضمنها هذا البند الذي يقول:
تلتزم السلطة الفلسطينية بدفع مبلغ 2،5 مليون دولار شهرياً لشركة توليد الكهرباء، سواء أنتجت شركة التوليد الطاقة المتفق عليها، أو توقفت كلياً عن الإنتاج، كما حصل في حالة تعرضها للقصف الإسرائيلي، أو جزئياً في حالة تأخر وصول الوقود، وهذا المبلغ عبارة عن رسوم اشتراك ثابتة تدفعها مالية السلطة الفلسطينية للقائمين على الشركة، ولا علاقة لهذا المبلغ بتكلفة الإنتاج
ويضيف د. عمر كتانة: على ضوء الخلافات، والتباين في تفسير مضمون الاتفاقية الموقعة بين سلطة الطاقة وشركة توليد الكهرباء، لجأنا إلى القضاء الفلسطيني للتخلص من الاتفاقية المجحفة والظالمة بحق الشعب الفلسطيني، ليأتي الرد الصادم، بأن القضاء الفلسطيني غير مخول بالنظر في قضية الخلاف هذه، فقد تضمنت الاتفاقية بين سلطة الطاقة وشركة توليد الكهرباء شرطاً يقول:
في حالة الاختلاف على تفسير بنود العقد بين سلطة الطاقة الفلسطينية وشركة التوليد، تتولى المحاكم البريطانية الفصل بين الطرفين.
التزاماً ببنود العقد الظالم الذي وقعه رئيس سلطة الطاقة السابق سنة 1998 مع الشركة ـ وهو معروف لدينا ـ توجهنا إلى القضاء البريطاني، وقدمنا الشكوى مرفقة بالمستندات والوثائق، وسافرت إلى لندن ست مرات للشهادة أمام المحكمة في بريطانيا، وكان رئيس المحكمة في ذلك الوقت هندي الجنسية.
وعلى ضوء الحقائق البينة والثابتة، وفي حديث جانبي مع رئيس المحكمة، أظهر تفهماً للقضية، وبناء عليه، كنت متفائلاً، ومستبشراً بصدور قرار من المحكمة البريطانية، يقضي بإلغاء الاتفاقية، وسافرت إلى لندن للاستماع إلى الحكم، فكانت الصدمة؛ لقد استبدلوا رئيس المحكمة ـ هندي الجنسية ـ قبل جلسة النطق بالحكم، وبشكل يثير أكثر من علامة استفهام!
عاودنا تقديم الوثائق والمستندات من جديد أمام رئيس المحكمة المجلوب، ليصدر الحكم فيما بعد بإلزام سلطة الطاقة الفلسطينية بتنفيذ شروط العقد الموقع مع شركة توليد الكهرباء.
ومنذ شهر أكتوبر سنة 2006 وحتى اليوم، وأنا أتساءل بيني وبين نفسي، من الجهة التي استبدلت رئيس المحكمة الهندي الذي تفهم القضية، واستجلب بدلاً منه رئيس محكمة وفق الطلب، أصدر حكماً ينسجم مع مصالح أصحاب النفوذ، والقوى التي لها ارتباطات بأجندات خارجية؟
في هذه الأيام، ومع ظهور فضائح جيفري إبسين جاءني الجواب، الذي يشير إلى العصابة نفسها التي عملت في الجزيرة الشاذة، إنها قوى الشر التي تربطها المصالح المشتركة مع الفاسدين والساقطين والمندسين في كل أنحاء الأرض، وهم المسيطرون حتى يومنا هذا على مراكز النفوذ السياسي والمالي والقانوني والإعلامي حول العالم.
اليوم نتأكد نحن الشعب العربي الفلسطيني بأننا نواجه مؤامرة أكبر من طاقتنا، وقدرات أهل غزة، مؤامرة يحبكها نظام عالمي يقوم على الظلم والعدوان والإرهاب والفجور منذ مئة سنة وأكثر.