في غزة، لا تُقاس المآسي بعدد الشهداء فقط، بل بما يتركه الغياب من فراغٍ ثقيل في قلوب الناجين. من بين ركام بيتٍ كان يجمع ثلاثة أجيال شرق معسكر جباليا، خرج أحمد أبو عيطة وابنه يامن وحدهما أحياء بعد يومين كاملين تحت الأنقاض، ليحملا معهما ذاكرة عائلةٍ مُسحت من السجل المدني، وقصة نجاةٍ كُتبت بين الألم والإيمان.
في السابع من ديسمبر/كانون الأول 2023، بدت الليلة عادية في بيت العائلة؛ صلاة جماعية، تلاوة قرآن، متابعة موجز الأخبار، ثم نومٌ مثقل بالخوف.
يروي أحمد أبو عيطة لـ "فلسطين أون لاين": «صلّينا العشاء جماعة وقرأنا ما تيسّر من القرآن، ثم تابعنا الأخبار قبل أن نخلد للنوم. كان الرجال في غرفة المعيشة، والنساء والأطفال في الغرف الأخرى. في تلك الليلة تشاجر يامن مع عبد الرحمن، فأخذته لينام بجواري… لم أكن أعلم أن قرارًا بسيطًا كهذا سينقذ حياته».
الانفجار
بعد منتصف الليل بقليل، تبدّل كل شيء. يقول أحمد: «استيقظتُ في مكانٍ لم أعرفه. كانت الساعة الواحدة وثماني دقائق. كنت محاطًا بالركام والدخان والنار تلتهم كل شيء. ظننتها لحظةً كابوسية، ثم أدركت أنها الحقيقة. كانت أول كلماتي: الحمد لله رب العالمين… رضيتُ يا رب».
وسط المشهد القاسي، شعر بسكينةٍ غريبة تهبط على قلبه، كما يصف.
تحت الركام
كان مصابًا بكسرٍ في الحوض، وجرحٍ عميق في ساقه، وشظايا في أنحاء جسده. بردٌ قارس، ليلٌ حالك، ورائحة بارود تخنق الأنفاس.
تتزاحم الأسئلة في رأسه: هل هم بخير؟ كم شهيدًا سقط؟ هل سيأتي أحد للإنقاذ؟
لم يكن يملك سوى الانتظار… وسماع أنين يامن بين الحين والآخر. «إذا سكت صوته أناديه، فيئنّ من جديد فأطمئن أنه ما زال حيًّا» يقول.
صباح الفقد
مع ضوء الصباح اتضحت الحقيقة القاسية.
«أدركتُ أنني لست في بيتنا، بل في درج بيت الجيران بعد أن قذفني الانفجار. فهمتُ حينها أن بيتنا دُمّر بالكامل وأن معظم العائلة استشهدت» يضيف.
كان يامن على بُعد أمتار، مغطّى بالركام، بينما العجز يمنع الأب من الوصول إليه.
صرخة أب
حين خفت صوت الطفل، صرخ أحمد بكل ما تبقى فيه: «أرجوك يا بني لا تمت… سيأتي أحد لينقذنا».
مرّ اليوم بطيئًا، وغابت الشمس دون نجدة. عاد الليل أطول وأثقل، وبدأ الخوف من الموت بردًا أو عطشًا، لكن تفكيره ظل معلقًا بطفله فقط: هل سينجو؟
الليلة الثانية كانت أكثر قسوة. «كلما سمعتُ صوتًا ناديت، ثم أكتشف أنه كلب أو قطة. كدت أفقد الأمل… لكن يقيني بالله كان أقوى».
لحظة النجاة
قرابة الحادية عشرة من اليوم الثاني، جاء جارٌ يتفقد المكان بعد هدوء القصف. «صرخت: يا ناس… في حد سامعني؟ صُدم حين رآني حيًّا. قلت له فورًا: يامن هناك».
أُخرج الطفل من تحت الركام، ووُضع بجوار والده، ثم وصلت سيارة الإسعاف.
كانا الناجيين الوحيدين.
«لم أشعر بألم جسدي… كان الوجع في قلبي»، يقول أحمد، بعدما فقد والديه وإخوته وزوجته وطفله الصغير، ومعظم أفراد العائلة الممتدة الذين مُسحوا من السجل المدني.
تحت الأنقاض حتى اليوم
تمكّن الأهالي من انتشال 23 جثمانًا فقط، بينما بقي آخرون تحت الركام داخل منطقة يتعذر الوصول إليها.
«نفسي يُنتشَلوا وأزور قبورهم… أرتاح قليلًا».
اقرأ أيضًا: 10 آلاف جثمان تحت الأنقاض يمكن انتشالها خلال ثلاثة أشهر إذا توافرت المعدات
وتشير تقديرات حديثة إلى وجود ما بين 10 و11 ألف مفقود تحت أنقاض غزة حتى نهاية عام 2025، معظمهم من النساء والأطفال، إضافةً إلى عشرات آلاف الشهداء المسجّلين، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية المعاصرة.
نداء أخير
اليوم، يقف أحمد على مسافة ألمٍ جديدة: ابنه يامن يتلقى العلاج في قطر بعد إصابة خطيرة أدخلته في غيبوبة، بينما عجز الأب عن السفر بسبب إصابته.
تعافى الطفل بعد عامين… وبقي العناق مؤجلًا.
يقول أحمد بصوتٍ مثقل: «مش قادر أكمّل حياتي طبيعي… بدي أجتمع بابني ونحضن بعض، ونكمّل اللي ضل من حياتنا سوا».