قائمة الموقع

نصائح نفسية لا تصلح لغزة: عندما تتحول الوصفات الجاهزة إلى عبء

2026-02-14T08:05:00+02:00
فلسطين أون لاين

في غزة، لا تفشل النصيحة النفسية لأنها خاطئة بالضرورة، بل لأنها قادمة من عالمٍ آخر. عالم فيه كهرباء دائمة، وماء ساخن، ومساحة شخصية، وفيه وقت للتأمل، وغرفة هادئة، وخيار الانسحاب من الضغوط.

أما هنا، فالنصيحة النفسية كثيرًا ما تتحول من أداة دعم إلى عبء إضافي على إنسانٍ بالكاد يحمل نفسه.

عندما تصبح النصيحة إهانة غير مقصودة، أن تقول لإنسان في غزة:

- نظّم نومك

- ابتعد عن الأخبار

- خذ وقتًا لنفسك

- مارس تمارين الاسترخاء

قد يبدو ذلك علميًا، مهنيًا، حسن النية.. لكنه في الواقع قد يُترجم داخليًا إلى رسالة قاسية:

“أنت تتألم لأنك لا تُحسن إدارة نفسك”.

وهنا تبدأ الإهانة النفسية غير المقصودة:

تحميل الفرد مسؤولية التكيّف مع واقع غير إنساني.

الوصفة الجاهزة كنوع من الإنكار

في علم النفس، تُعد النصائح الجاهزة أحيانًا آلية دفاع لدى من يقدمها، لا لدى من يتلقاها.

هي محاولة لترويض الفوضى:

- بدل الاعتراف بالعجز

- بدل مواجهة حجم الكارثة

- بدل قول: لا يوجد حل نفسي كامل لما يحدث

فنستبدل الاعتراف بوصفة. والإنسان المصدوم لا يحتاج وصفة، بل اعترافًا.

غزة ليست حالة “توتر”.. بل حالة صدمة مستمرة

أغلب النصائح النفسية المنتشرة مبنية على افتراض أساسي: أن الخطر انتهى، وأننا الآن في مرحلة التعافي.

لكن غزة تعيش ما يسميه المختصون: الصدمة المستمرة (Ongoing Trauma) حيث لا يوجد “بعد” كي نتعافى فيه.

كيف نطلب من إنسان:

- أن يهدأ.. والخطر قائم

- أن يخطط.. والمستقبل معلّق

- أن يتوازن.. والبيئة مختلّة بالكامل؟

هنا لا تصبح النصيحة غير مجدية فقط، بل ظالمة.

تجارب عالمية: متى فشلت النصيحة النفسية؟

في البوسنة بعد الحرب، فشلت برامج الدعم النفسي التي ركزت على الفرد، ونجحت فقط تلك التي:

- اعترفت بالظلم

- عملت على إعادة المعنى

- أعادت بناء الروابط لا المشاعر فقط

في رواندا، تخلّوا عن جلسات “التفريغ الانفعالي” السريعة، واتجهوا إلى مسارات طويلة: العدالة، السرد، والعيش المشترك.

الدروس واضحة: النصيحة لا تُشفى ما لم تُغيّر السياق أو تعترف بقسوته.

ما الذي يمكن قوله بدلًا من النصائح؟

بدل أن نقول: كن قويًا

نقول:

ما تمر به أكبر من طاقتك، ومن الطبيعي أن تتعب.

بدل:

تجاوز الأمر

نقول:

هذا لا يُتجاوز، بل يُحمل.. ونحن نراك.

بدل:

مارس الامتنان

نقول:

غضبك مفهوم، وحزنك ليس ضعفًا.

هذا ليس تخلّيًا عن الدعم النفسي،

بل عودته إلى جوهره الأخلاقي.

المرشد النفسي نفسه في المأزق

حتى المرشد النفسي في غزة، كثيرًا ما يجد نفسه عاجزًا عن تصديق ما يقوله.

لأنه يعيش نفس القصف، ونفس الخسارة، ونفس الانتظار.

وهنا، تصبح النصيحة الجاهزة عبئًا عليه هو أيضًا، لأنها تطالبه بأن يبدو متماسكًا في عالمٍ يتفكك.

خاتمة: الدعم ليس كلامًا.. بل موقف

غزة لا تحتاج مزيدًا من النصائح، بل تحتاج:

- لغة أكثر تواضعًا

- علم نفس يعترف بحدوده

- دعمًا يرى الإنسان لا الأعراض

حين نكفّ عن إصلاح الناس بالكلام، ونبدأ بالوقوف إلى جانبهم بصدق، عندها فقط..

تصبح الكلمة خفيفة، ولا تكون عبئًا جديدًا على كتفٍ مُنهك.

اخبار ذات صلة