تتواصل معاناة الأسيرات الفلسطينيات داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي في ظل تشديد غير مسبوق للإجراءات العقابية والانتهاكات اليومية، منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد تحوّلت أماكن الاحتجاز إلى بيئات قمع وعزل وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، وسط غياب رقابة دولية فاعلة وتزايد المطالبات الحقوقية بالتدخل العاجل لوقف ما يتعرضن له من انتهاكات متصاعدة.
تكشف شهادات أسيرات محرَّرات حجم المأساة التي تعيشها النساء خلف القضبان، بدءًا من التجويع والإهمال الطبي المتعمّد، وصولًا إلى الاقتحامات الليلية والتفتيشات المهينة، في مشهد يعكس سياسة تضييق ممنهجة تستهدف كسر إرادتهن والنيل من كرامتهن.
وفي ظل استمرار منع المؤسسات الحقوقية من الاطلاع على أوضاعهن، تبقى الأسيرات عرضة لانتهاكات متواصلة، بينما تتصاعد الدعوات الحقوقية والإنسانية للتحرك الفوري لوقف هذه المعاناة المستمرة.
مصير مجهول
تؤكد الأسيرة المحرَّرة نسرين أبو كميل أن سلطات الاحتلال صعّدت من إجراءاتها القمعية بحق الأسيرات منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرةً إلى تضاعف العقوبات بصورة غير مسبوقة، بما انعكس مباشرة على تفاصيل حياتهن اليومية.
وأوضحت لـ "فلسطين أون لاين" أن إدارة السجون شددت القيود على إدخال الطعام من حيث الكمية والجودة، إذ يُسمح أحيانًا بإدخال طعام غير صالح للاستهلاك، ما فاقم معاناة الأسيرات في ظل سوء تغذية متعمَّد. كما مُنعت اللقاءات بين أسيرات الضفة الغربية وأسرهن في قطاع غزة، في خطوة عمّقت العزل النفسي والاجتماعي.
الأسيرة المحررة، نسرين أبو كميل
وأضافت أن مدة «الفورة» اليومية قُلّصت من ساعة كاملة إلى عشرين دقيقة فقط ولمرة واحدة يوميًا بدل أربع مرات، ما حرم الأسيرات من الحد الأدنى من الحركة والتعرّض للهواء الطلق. وتُحتجز غالبية الأسيرات في سجن «الدامون» الذي يشهد اكتظاظًا متزايدًا نتيجة حملات الاعتقال المستمرة.
وبيّنت أن عدد الأسيرات في ارتفاع متواصل مع تصاعد اعتقال النساء، فيما لا تزال أخريات محتجزات في مراكز التحقيق والتوقيف دون الإفصاح عن أعدادهن أو أماكن احتجازهن، خصوصًا القادمات من قطاع غزة، في ظل رفض الاحتلال تزويد المؤسسات المختصة بأي معلومات دقيقة حول مصيرهن.
كما يواصل الاحتلال سياسة الاقتحامات المتكررة للغرف والتفتيشات المهينة، ونقل الأسيرات تعسفيًا بين الغرف، إلى جانب مصادرة مقتنياتهن الشخصية ومنع إدخال الاحتياجات الأساسية منذ اندلاع الحرب، بما يشمل الملابس الشتوية والأغطية والطعام والشراب وحتى الأدوات الكهربائية البسيطة.
اقرأ أيضًا: تعرُّض الأسيرات الفلسطينيات لقمعٍ واعتداء عنيف في سجن الدامون
قرع الأبواب
من جانبها، روت الأسيرة المحرَّرة هناء أبو عابد معاناة قاسية عاشتها خلال فترة اعتقال استمرت نحو شهرين، ووصفت الأوضاع داخل السجون بأنها «شديدة السوء»، مؤكدةً أن إدارة السجون سحبت العديد من الاحتياجات الأساسية من غرف الأسيرات، ما زاد قسوة ظروف الاحتجاز.
وأشارت إلى تعمّد حرمان الأسيرات من الرعاية الصحية والأدوية اللازمة حتى في الحالات المرضية الصعبة، لافتةً إلى أن بعض الأسيرات يستيقظن ليلًا وهن يصرخن من شدة الألم نتيجة الإصابات أو الاعتداءات التي تعرّضن لها أثناء التحقيق أو النقل، دون تلقي العلاج المناسب.
وبيّنت أبو عابد لـ"فلسطين أون لاين" أن الأسيرات يضطررن إلى قرع الأبواب ليلًا طلبًا للدواء أو لإسعاف مريضة، إلا أن مطالبهن غالبًا ما تُقابَل بالتجاهل، في سياسة إهمال طبي متعمَّد تهدف إلى إنهاكهن جسديًا ونفسيًا، في انتهاك واضح للمواثيق الدولية الضامنة لحقوق الأسرى والمعتقلين.
وفي السياق ذاته، أعلن مكتب إعلام الأسرى ارتفاع عدد الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال إلى 59 أسيرة، بعد تسجيل أكثر من 680 حالة اعتقال لنساء منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو رقم لا يشمل معتقلات غزة اللواتي يُخفى مصيرهن داخل معسكرات عسكرية.
وأشار البيان إلى وجود قاصرات بين الأسيرات، إضافة إلى مصابتين بالسرطان، وأسيرة وضعت مولودها داخل السجن، في مشهد يلخص حجم المأساة الإنسانية. كما تُوجَّه لغالبية المعتقلات تهمة «التحريض»، بينما يُحوَّل نحو ثلثهن إلى الاعتقال الإداري دون لائحة اتهام، ما يعني احتجازهن لفترات مفتوحة دون محاكمة عادلة.
وذكر المكتب أن الأسيرات يواجهن ظروفًا قاسية تشمل سوء التغذية، والإهمال الطبي، والاقتحامات المتكررة، والعزل الانفرادي، وانتهاك الخصوصية، إلى جانب استمرار اعتقال محرَّرات سابقات وصحفيات، واستخدام النساء كورقة ضغط على عائلاتهن.
ووفق معطيات مؤسسات رسمية، تواصل سلطات الاحتلال احتجاز نحو 9,350 فلسطينيًا في سجونها حتى مطلع كانون الثاني/يناير الجاري، في ظل تصاعد ملحوظ في أعداد المعتقلين منذ اندلاع الحرب على غزة.
وتجسّد معاناة الأسيرات الفلسطينيات صورة مركّبة من القمع الجسدي والنفسي والإهمال الصحي والعزل الاجتماعي، داخل بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية. وتبقى شهادات الأسيرات المحرَّرات دليلًا حيًا على حجم الانتهاكات المرتكبة خلف القضبان، في وقت تتعالى فيه المطالب الحقوقية بالتحرك العاجل لوقف هذه الجرائم، والكشف عن مصير جميع المعتقلات، والعمل الجاد لإنهاء معاناتهن والإفراج عنهن.