على الأطراف الجنوبية لمدينة غزة، وتحديداً في المنطقة الواقعة جنوب حي الزيتون وعلى مقربة من شارع صلاح الدين التاريخي، حيث يلتقي حطام المنازل بآمال البقاء، يبرز مخيم "دار السلام" شاهداً حيّاً على صمود الفلسطيني الذي يرفض الانكسار.
هنا، وتحت سماء مكشوفة وحدودٍ مثقلة بالتهديدات، تعيش نحو 250 عائلة نازحة تقاوم الموت بالقذائف تارة، وبالعطش والجوع تارة أخرى.
بين أزقة الخيام المتهالكة، يبرز المواطن محمد الهجين (43 عاماً)، أحد القائمين على "حارة دار السلام"، الذي أخذ على عاتقه تنظيم حياة النازحين وتوثيق معاناتهم. ويتحدث لصحيفة "فلسطين" بنبرةٍ واثقة رغم الألم عن الواقع المرير الذي فرضه الاحتلال، قائلاً: "لم يعد لنا مكان نأوي إليه سوى هذا المخيم. آلة الحرب لم تترك لنا جداراً قائماً في منازلنا، واليوم نجد أنفسنا في مواجهة مباشرة مع محاولات التهجير القسري".
ويوضح الهجين مساعي الاحتلال التي تستهدف المنطقة، مشيراً إلى أن ما يجري محاولة حثيثة لتوسيع نطاق ما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء" وتحويلها إلى منطقة عازلة تبتلع أراضي المواطنين، مضيفاً: "يسعى الاحتلال لفرض واقع جغرافي جديد لضمان إخلاء المنطقة تماماً، لكننا لن نغادر أرضنا مهما كلف الثمن".
ولا تتوقف هذه المحاولات عند التهديد اللفظي، بل تترجم إلى عدوانٍ ميداني مستمر؛ إذ يؤكد الهجين أن المخيم يشهد يومياً إطلاق نار وقذائف مدفعية من آليات الاحتلال المتمركزة على مقربة منه، ما أسفر عن إصابة عددٍ من المواطنين بجراح متفاوتة داخل خيامهم وبين أزقة المخيم.
وعلى أعتاب منزلها الذي تحوّل إلى كومةٍ من الركام قرب المخيم، تنصب الحاجة أم أحمد أبو مراحيل (62 عاماً) خيمتها المتهالكة، رافضة الابتعاد عن المكان الذي قضت فيه عقوداً من عمرها. وتقول: "هنا زرعت الأشجار، وهنا كبر الأبناء، واليوم يريدون منا أن نرحل لنتركها لقمةً سائغة لأطماعهم. لن أترك خيمتي ما دام في عرقٍ ينبض؛ فالموت فوق تراب منزلي أهون عليّ من حياة التشرد في مناطق لا أعرفها".
وتصف قسوة العيش مع تقدّمها في السن قائلةً: "البرد ينهش عظامي ليلاً، والرطوبة لا ترحم جسدي المثقل بالأمراض، لكنني أستمد قوتي من هذه الأرض. نحن هنا لا نحمي خيامنا فقط، بل نحمي حدود مدينتنا من الاحتلال الذي يهدد بهدم ما تبقى من غزة".
وفي زاويةٍ أخرى من المخيم، يعيش المواطن معاذ العمصي (31 عاماً)، وهو أبٌ لطفل، اضطر إلى السكن في خيمة بعد دمار منزله المجاور. ويصف مشاعر القهر قائلاً: "أعيش أنا وعائلتي لحظات خوف حقيقية تتصاعد مع حلول الليل، الذي يحمل صمت القذائف وترهيب الطائرات المسيّرة".
ويضيف بمرارة: "لا بدائل لدينا؛ فالإيجارات في المناطق الأخرى وصلت إلى أرقامٍ فلكية لا نقدر عليها، والمخيمات القريبة من قلب المدينة ممتلئة تماماً، لذا نحن مجبرون على البقاء هنا بين فكي الكماشة: خطر القصف أو ذلّ الحاجة والتشرد".
ولا تقتصر المعاناة على التهديد الأمني، بل تمتد إلى عزلة جغرافية خانقة؛ فالمنطقة تفتقر كلياً لوسائل المواصلات، كما تبعد أقرب نقاط التسوق مسافاتٍ طويلة وشاقة، ما يشكّل عبئاً كبيراً على كبار السن والنساء والأطفال.
ويناشد سكان المنطقة، عبر "فلسطين"، المؤسسات الإغاثية والأهلية سرعة توفير الطعام والمياه، مؤكدين أن هذه الاحتياجات تمثل "شريان الحياة" الوحيد الذي يعزّز صمودهم ويقطع الطريق على مخططات التهجير.
ويقول العمصي: "نحن هنا نقاوم باللحم الحي، وتوفير لقمة العيش هو ما يثبتنا في وجه هذه العواصف".
وعن أدوات الترهيب الجوي، يوضح الهجين أن طائرات "الكواد كابتر" لا تغادر سماء المخيم، إذ تحلّق على ارتفاعاتٍ منخفضة بشكل دائم، مضيفاً: "هذه الطائرات تشن حرباً نفسية وترهيباً مباشراً ضد الأطفال والنساء، في محاولةٍ يائسة لدفعنا إلى الرحيل".
وفي ظل غياب الأمن، يطالب سكان المخيم الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية بكسر حالة الصمت والضغط على الاحتلال لوقف استهداف النازحين وتوفير الحد الأدنى من الحماية. وعلى الصعيد المحلي، وجّه الهجين مناشدةً لبلدية غزة بضرورة فتح الشوارع المغلقة وإزالة الركام، مؤكداً أن تهيئة الطرق تمثّل الخطوة الأولى لتعزيز تمسّك المواطنين بمناطقهم.
ويبقى مخيم دار السلام نموذجاً مصغّراً لقطاع غزة: وجعٌ ممتد، وحصارٌ خانق، لكنّه يحمل إرادةً ترفض رفع الراية البيضاء أمام أطماع "المنطقة الصفراء" ومسيرات الموت.