بعد أشهرٍ من تحوّل سوق فراس التاريخي وسط مدينة غزة إلى بؤرةٍ بيئية وصحية خطيرة بفعل تراكم مئات آلاف الأمتار المكعبة من النفايات، انطلقت عمليات الترحيل والمعالجة بدعمٍ أممي وتنسيقٍ بلدي، في محاولةٍ لإزالة التهديد الصحي وفتح الطريق أمام استعادة الحياة الاقتصادية في أحد أقدم أسواق المدينة.
جبالٌ شاهقة من القمامة المتراكمة، تضاهي في ارتفاعها بناياتٍ سكنية متعددة الطوابق، تحاصر السكان في أحد أهم مواقع مدينة غزة، بعدما تحوّل سوق فراس التاريخي إلى مكبٍّ للنفايات نتيجة منع الاحتلال ترحيلها إلى المكبات الرئيسية شرق المحافظة الوسطى. واقعٌ قاسٍ يتعايش معه الأهالي يوميًا، حيث تمتد النفايات وروائحها الكريهة على مساحةٍ واسعة لتطوّق السوق وما حوله.
وعند الصعود من مدخل المكب، الذي كان يومًا بوابة السوق التاريخي، تمرّ بين تلالٍ متراكمة من القمامة حتى تبلغ القمة، حيث تنكشف أجزاءٌ من المناطق المحيطة، وتبدو حركة الشاحنات المتواصلة القادمة من مختلف أحياء المدينة لتفريغ حمولتها، فيما يندفع فتيةٌ وشبان لنبش الأكياس بحثًا عن البلاستيك والألمنيوم والنحاس لبيعها.
وأدّى تراكم النفايات المرحّلة من أحياء المدينة كافة إلى وصول الكميات المتكدسة في السوق لأكثر من 350 ألف متر مكعب، ما حوّل المكان إلى بؤرةٍ خطيرة تهدد البيئة والصحة العامة.
وانطلقت، أمس، عمليات إزالة وترحيل النفايات المتراكمة في منطقة سوق فراس وسط مدينة غزة، بعد أشهرٍ من تكدسها منذ بداية الحرب على القطاع، وذلك بدعمٍ من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وبالتنسيق مع بلدية غزة، في خطوةٍ لاقت ترحيبًا واسعًا من الأهالي باعتبارها بداية إزالة أكبر تهديدٍ صحي يعوق عودة الحركة الاقتصادية للسوق.
واقعٌ صعب
يجلس رشيد بلبل داخل ورشة نجارةٍ عربية تقليدية في الجهة الشرقية من السوق، لا يفصله عن جبل النفايات سوى أمتارٍ قليلة. ورغم اعتياده القسري على الرائحة الكريهة، لا يتوقف عن مطاردة الذباب الكبير الذي يخوض معه معركةً يومية أثناء العمل.
ويقول بلبل لـ "فلسطين أون لاين": "لا نستطيع العمل بسبب الذباب القادم من المكب، ولا يحتمل الزبون الجلوس هنا دقائق معدودة، لكننا مضطرون لتحمّل الواقع. منع الاحتلال ترحيل النفايات ولم يبقَ أمام الجهات المسؤولة خيارٌ آخر".
تحوّل السوق إلى مكبٍ للنفايات تسبب بـ"موتٍ فعلي" للحياة التجارية، إذ لم يتبقَّ سوى عددٍ محدود من المحال في الجهة الشرقية، ما أدى إلى تراجع أعداد الزبائن.
ويضيف بلبل: "من الطبيعي أن يبتعد الناس عن مكانٍ مليءٍ بالقمامة التي قد تنقل الأمراض، خاصةً أن النفايات أصبحت بارتفاع جبل".
وعلى مقربةٍ منه، يجلس إياد العرعير بين أدواتٍ من الخردة التي أصبحت مصدر رزقه بعد أن طمرت النفايات محاله التجارية الثلاثة. ويقول بأسى: "لم نتخيل يومًا أن نرى سوق فراس بهذا الشكل… النفايات وصلت إلى نحو 30 مترًا. بدء إزالتها خطوةٌ مهمة لإعادة الحياة إلى السوق التاريخي".
ويستعيد العرعير ذاكرته قبل الحرب: "كانت الواجهة مليئةً بمحلات الأسماك والخضار ومربي الطيور، وكنت أعمل في تجارة الألمنيوم… أما اليوم فأبيع الخردة بعدما صار المكان جبالًا من النفايات".
الشاب حازم أبو عودة، أحد بائعي التبغ قرب مدخل المكب، يصف بدء الترحيل بأنه خطوةٌ طال انتظارها، قائلًا: "هذا معلمٌ مهم لأهالي غزة، وليس من المقبول أن يبقى مكبًا للنفايات، خاصةً مع سيول القمامة في الشتاء وتكاثر القوارض التي تهاجم البيوت".
وتتفاقم معاناة السكان المحيطين بالمكب ليلًا مع اشتداد الروائح وانتشار البعوض والدخان الناتج عن حرق النفايات. ويقول ماجد السرسك، أحد سكان المنطقة: "مع المساء تزداد الروائح واللسعات حتى نعجز أحيانًا عن النوم. بدء الترحيل سيخفف كثيرًا من معاناتنا".
كما تضررت المطاعم المجاورة بشدة نتيجة عزوف السكان خوفًا من التلوث. ويقول محمد حجازي، عامل في أحد المطاعم الشعبية: "الحركة التجارية أصبحت شبه معدومة منذ تحوّل السوق إلى مكب، لكننا بقينا حفاظًا على مصدر رزقنا".
وفي أعلى تلال القمامة، كان الفتى علي عبيد (15 عامًا) يجمع قطع الألمنيوم لإعالة أسرته النازحة، رغم المخاطر الصحية. ويقول: "أعمل هنا يوميًا لأن أبي لا يعمل… الأمر خطير لكن لا بديل لدينا".
جهودٌ لإزالة التهديد
أكد مدير عام التخطيط والاستثمار في بلدية غزة، المهندس ماهر سالم، أن بدء نقل النفايات من سوق فراس إلى مكبٍ مؤقت في أرض "أبو جراد" جنوب المدينة جاء بعد جهودٍ طويلة وموافقاتٍ معقدة، مشيرًا إلى أن الكميات المتراكمة تتجاوز 350 ألف متر مكعب.
وأوضح أن البلدية نسّقت مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للحصول على التصاريح اللازمة وإنشاء المكب المؤقت بعد امتلاء السوق بالكامل، لافتًا إلى بدء مرحلةٍ تجريبية تستمر حتى 15 فبراير عبر عشر شاحنات يوميًا، على أن تتوسع لاحقًا بأعدادٍ مضاعفة من الشاحنات.
وبيّن سالم أن استكمال ترحيل النفايات سيستغرق ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر في حال سمحت الظروف الأمنية، موضحًا أن الاحتلال لا يزال يرفض نقلها إلى المكب الرئيسي في منطقة جحر الديك، ما اضطر البلدية لاعتماد الموقع المؤقت على أطراف المدينة.
ويجري يوميًا ترحيل ما بين 1500 و2000 متر مكعب من النفايات، في خطوةٍ يأمل السكان أن تمهّد الطريق لاستعادة سوق فراس مكانته التاريخية وقلبه التجاري النابض في مدينة غزة.