تتصاعد اعتداءات الاحتلال على المسجد الأقصى، وقد شهد عام 2025 قفزة في أعداد مقتحمي الأقصى، وما رافق اقتحاماتهم من أداء للطقوس اليهوديّة العلنية، والرقص والغناء ورفع أعلام الاحتلال وغيرها، وفي سياق تصاعد العدوان والتدنيس، تتابع أذرع الاحتلال من استهداف العنصر البشري الإسلامي في الأقصى، إذ تسعى سلطات الاحتلال إلى إفراغ المسجد الأقصى من المرابطين والمصلين، بهدف فرض الوجود اليهودي داخله، وتقليل حجم الحضور الإسلامي بالتزامن مع اقتحامات الأقصى، وهي سياسة تصاعدت بشكلٍ كبير منذ عام 2015، من خلال استهداف حالة الرباط في الأقصى، وتحويلها إلى حركة "إرهابية" بمفهوم الاحتلال، ومن ثم جاء حظر مؤسسات الحركة الإسلامية – الجناح الشمالي وإغلاقها، ليفقد الأقصى واحدة من الجهات القائمة على دعم حالة الرباط.
وقد شهدت السنوات الماضية تصعيد سلطات الاحتلال استهداف المكون البشري الإسلامي، من خلال فرض القيود المختلفة أمام أبواب الأقصى، واعتقال المصلين داخل المسجد أو في محيطه، واستهداف رموز الدفاع عن المسجد والشخصيات الفلسطينية في المدينة المحتلة، بقرارات الإبعاد المتكررة، وتصل هذه القرارات أحيانًا إلى عشرات أو مئات في الشهر الواحد، وهو ما يجري حاليًا قبيل حلول شهر رمضان المبارك، ومع تصاعد سياسة الإبعاد عن الأقصى، نقدم في هذا المقال قراءة لهذه السياسة، وأهدافها وتطوراتها في عام 2025، وقبيل حلول شهر رمضان.
بنك أهداف الإبعاد: من تطالهم قرارات الإبعاد؟
تستخدم سلطات الاحتلال سياسة الإبعاد عن القدس والأقصى واحدةً من أبرز الإجراءات العقابية التي تفرضها بحق الفلسطينيين عامةً، ولترهيب المصلين في الأقصى على وجه الخصوص، وتستهدف من خلال الإبعاد العناصر البشرية الناشطة في عمارة المسجد الأقصى ومواجهة الاقتحامات المتصاعدة، إضافةً إلى استهداف رموز الدفاع عن المسجد الأقصى من القدس أو المناطق الفلسطينية الأخرى، وتُصدر سلطات الاحتلال عشرات القرارات، وفي قراءة للفئات التي تتلقى الإبعاد، نرصد أبرزها في النقاط الآتية:
المصلون في الأقصى، إن كانوا من مدينة القدس المحتلة، أو من مجمل المناطق الفلسطينية المحتلة الأخرى، من الضفة الغربية المحتلة ومن الأراضي المحتلة عام 1948.
القيادات المقدسية الدينيّة والوطنية.
المرابطون، الذين يواجهون اقتحامات المستوطنين، ويعمرون مصلى باب الرحمة والمنطقة الشرقية.
حراس الأقصى، وموظفو دائرة الأوقاف الإسلامية ومسؤولوها، وخطباء المسجد الأقصى.
رموز الدفاع عن الأقصى، من الشخصيات الاعتبارية والوطنية.
آثار الإبعاد على المصلين وموظفي الأوقاف
ومع تنوع الفئات التي يستهدفها الاحتلال بالإبعاد، يحاول الأخير استخدامه لإرهاب المصلين في الأقصى، ووضعهم أمام خيارين، إما القبول بما يجري داخله، ويدفع حينها بالمصلي إلى أداء الصلاة فقط، من دون أي التفات لما يجري في المسجد من اقتحامات واعتداءات وتدنيس، وفي هذه الحالة لا يُبعد عن الأقصى، ولا يتم اعتقاله. وإما الإبعاد والاعتقال لمن يواجه المستوطنين، ويقوم بعمارة المنطقة الشرقية ولا يسمح بتدنيس مصلى باب الرحمة. واستطاع الاحتلال الوصول إلى هذه المعادلة عبر مراكمة استهداف المكون الإسلامي في الأقصى منذ سنوات عدة، وتحويل الإبعاد إلى أداة دائمة الاستخدام، يستهدف بها مكونات الوجود الإسلامي من مرابطين ومصلين.
هذا في جانب المصلين والمرابطين، أما عن آثار هذه السياسية بحق مسؤولي دائرة الأوقاف وموظفيها، وخطباء الأقصى، فإن قرارات الإبعاد المتتالية تهدف إلى فرض سلطات الاحتلال نفسها متحكمًا مباشرًا بكوادر الدائرة وموظفيها، وإرساء المبدأ العقابي نفسه، ما ينتج لدى هؤلاء شعورًا بقدرة الاحتلال على معاقبتهم جراء أي تصرف يعيق الاقتحامات أو اعتداءات جنود الاحتلال، وهو عامل سيدفع حراس الأقصى خاصة إلى التفكير مليًا أمام أي حدثٍ يجري في المسجد الأقصى.
تطورات الإبعاد وكثافته في عام 2025
بحسب معطيات بحثية فقد أصدرت سلطات الاحتلال في عام 2025 نحو 620 قرار إبعاد عن القدس والأقصى، وتمتدّ مُدد الإبعاد ما بين عدة أيام إلى ستة أشهر، قابلة للتجديد، ولا تشمل هذه القرارات عادة الفلسطينيين من المناطق المحتلة في عام 1948، وهو ما يعني أن أعداد المبعدين عن الأقصى أكبر بكثير، خاصة أن الكثير منهم يتلقى قرارات الإبعاد على شكل تحذير من خلال الرسائل النصية، تحذرهم من خلالها من الذهاب إلى الأقصى، وخاصة قبيل مواسم الأعياد اليهوديّة.
وفي عام 2025 شملت قرارات الإبعاد جميع الأسرى المحررين في صفقة "طوفان الأحرار" ممن عادوا إلى القدس، إضافةً إلى نحو 15 موظفًا في دائرة الأوقاف من بينهم عددٌ من حراس الأقصى، إلى جانب صحافيين، وعددٍ من رموز الدفاع عن القدس والأقصى، ومن أبرز الشخصيات التي أصدرت سلطات الاحتلال بحقها قرارات إبعاد، خطباء الأقصى الشيخ محمد سرندح، والشيخ عكرمة صبري، ومفتي القدس الشيخ محمد حسين، ومحافظ القدس عدنان غيث، والناطق باسم لجنة أولياء أمور مدارس القدس رمضان طه، والمرابطتين المقدسيتين خديجة خويص وهنادي الحلواني، والناشط المقدسي محمد أبو الحمص، إلى جانب عشرات آخرين.
وتُظهر المعطيات التفصيليّة لقرارات الإبعاد في عام 2025، أن أعلى عددٍ للمبعدين عن المسجد شهده شهر أيلول/سبتمبر، الذي شهد إبعاد 270 فلسطينيًا، وهو الشهر الذي سبق موسم الأعياد اليهودية، إذ تستبق أذرع الاحتلال الأمنية هذا الموسم بإصدار المزيد من قرارات الإبعاد. تلاه شهر شباط/فبراير 2025، الذي سجل إبعاد 120 فلسطينيًا، ومن ثم شهر آذار/مارس 2025، الذي سجل إبعاد 94 فلسطينيًا، ويأتي تصاعد قرارات الإبعاد في هذين الشهرين، في سياق استباق سلطات الاحتلال حلول شهر رمضان، ومحاولة قوات الاحتلال المتكررة إفراغ الأقصى من المعتكفين والمرابطين بالقوة.
استباق شهر رمضان 2026 بحملات إبعاد مكثفة
ومع اقتراب رمضان الحالي، صعدت أذرع الاحتلال الأمنية من إصدار قرارات الإبعاد بحق الشبان الفلسطينيين، ورموز الدفاع عن الأقصى، إلى جانب الاستهداف الممنهج للمرابطين والمرابطات، وقد دأبت قوات الاحتلال على اعتقال أعدادٍ كبيرة من الشباب الفلسطينيين بعد انتهاء صلاة الجمعة، وقد شهدت أكثر من جمعة خلال الشهر الأول من عام 2026 هذه السياسة، وتقوم بإصدار قرارات الإبعاد بحقهم قبل الإفراج عنهم. وبحسب أحد المحامين المقدسيين تركز شرطة الاحتلال على فئة الشبان والمؤثرين.
وتُشير بعض المصادر إلى أن أعداد المبعدين عن الأقصى تتراوح ما بين 180 و300 مبعد، لاستباق شهر رمضان، وتصعد استهداف العنصر البشري الإسلامي، والمضي قدمًا في اقتحامات الأقصى من دون وجود أي عراقيل من حيث كثافة الحضور البشري الذي يشهده شهر رمضان، وأشار باحثون مقدسيون إلى أن عدد المبعدين الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، ويصل إلى نحو ألف مبعد، وتُشير هذه المصادر إلى أعداد كبير من المبعدين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، ممن تصلهم هذه "التحذيرات".
في المحصلة، لا يمكن قراءة قرارات الإبعاد المتصاعدة بمعزل عن المخطط الشامل الذي يستهدف المسجد الأقصى، فقد رسختها أذرع الاحتلال الأمنية أداة لتفريغ الأقصى من عماره ورواده ومرابطيه، وتسعى من خلالها إلى كسر إرادة الرباط، وعزل المسجد عن حاضنته الشعبية. وإن الأرقام المسجلة في عام 2025، والهجمة الاستباقية قبيل شهر رمضان 2026، تؤشر بوضوح إلى نية الاحتلال حسم معركة السيادة في الأقصى عبر تحييد خط الدفاع الأول المتمثل في العنصر البشري الإسلامي، وهو ما يُنذر بموجات تصعيدٍ قادمة يمضي بها الاحتلال لتحقيق المزيد من الاستهداف للمسجد، ولتثبيت الحضور اليهودي وصولًا إلى تقسيم المسجد الأقصى بشكلٍ كامل.

