مع اقتراب شهر رمضان تتصاعد المخاوف بين سكان قطاع غزة، ولا سيما بين المرضى المصابين بأمراض مزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض الكلى والجهاز التنفسي.
فبين ساعات الصيام الطويلة، ونقص الرعاية الطبية المنتظمة، وصعوبة الحصول على الأدوية الأساسية، يصبح الصيام قرارًا محفوفًا بالمخاطر الصحية، ولا سيما مع شحّ الموارد الإنسانية وضعف التوعية الصحية.
وفي هذا السياق، يوضح خبير التغذية والتثقيف الصحي في غزة، هشام حسونة، أهم الإجراءات الواجب اتباعها لضمان صيامٍ آمن وتقليل المضاعفات الصحية، مبينًا لكل حالة ما ينبغي مراعاته قبل وأثناء شهر رمضان.
يقول حسونة لصحيفة "فلسطين" إن الصيام يكون آمنًا فقط بعد تقييمٍ طبيٍّ شخصي قبل رمضان، موضحًا أن مرضى السكري أو الضغط غير المستقر، أو الذين يفتقرون إلى متابعة طبية منتظمة، قد يشكّل الصيام لديهم خطرًا صحيًا إذا استمر من دون تعديلٍ للأدوية أو مراقبةٍ لمستويات السكر والضغط. ويؤكد أن الأمان يعتمد على استقرار الحالة ووجود خطة متابعة واضحة.
خبير التغذية والتثقيف الصحي في غزة هشام حسونة
ويضيف أن تعديل جدول الأدوية قبل رمضان ممكن من خلال إعادة جدولة بعض العلاجات لتتناسب مع وقتي الإفطار والسحور، إلا أنه لا يجوز تعديل الجرعات أو توقيت الدواء دون استشارة طبية. كما يمكن في بعض الحالات تحويل الأدوية طويلة المفعول إلى جرعةٍ واحدة يوميًا إذا كانت مناسبة للحالة الصحية، بينما قد تحتاج أدوية السكري الفموية إلى تعديل جرعاتها، وقد تتطلب بعض الحالات إشرافًا تخصصيًا مباشرًا.
ويشير حسونة إلى ضرورة مراقبة مستويات السكر في الدم بوتيرةٍ أعلى من المعتاد، خصوصًا قبل السحور وبعد الإفطار، مع قياس ضغط الدم بانتظام خلال النهار إن أمكن. وفي حالات السكري التي تستخدم الإنسولين، قد تستدعي الحاجة تعديل الجرعات تحت إشرافٍ طبي لتقليل نوبات هبوط السكر أو ارتفاعه.
ويؤكد أهمية تنظيم الوجبات قبل رمضان لتجنب الإرهاق، عبر البدء تدريجيًا بتناول وجباتٍ متوازنة تحتوي على البروتين والخضراوات والألياف. وفي ظل توفر بعض مواد المساعدات الإنسانية كالأرز والخضراوات، ينصح بالتركيز على الأرز المطبوخ مع الخضار والبقول، وإضافة مصادر البروتين مثل البيض والفول واللبن، مع تقليل السكريات والمشروبات الغازية للحد من التقلبات الحادة في مستويات السكر والطاقة.
وفيما يتعلق بمرضى الكلى والغدة الدرقية، يوضح حسونة أن الترطيب الجيد قبل الصيام أمرٌ أساسي، خاصة في ظل نقص المياه، مشيرًا إلى أن مرضى الفشل الكلوي أو اضطرابات الغدة يحتاجون تقييمًا فرديًا، وقد يُنصح بعضهم بعدم الصيام أو بإجراء تعديلات غذائية ودوائية دقيقة، مع زيادة تناول السوائل قبل الصيام وتقليل الملح للحد من الإجهاد الكلوي.
كما يشير إلى أن الإرهاق الجسدي والنفسي يمكن التخفيف منه عبر النوم الكافي، وممارسة تمارين خفيفة منتظمة، وتنظيم الأنشطة اليومية لتقليل الإجهاد، مؤكدًا أهمية الدعم النفسي لمرضى الأمراض المزمنة لما له من أثر مباشر في استقرار حالتهم الصحية.
وبشأن الصيام أثناء الحمل أو الرضاعة، يلفت حسونة إلى أنه في ظل نقص الرعاية الطبية، لا يُستحسن الصيام غالبًا، خاصة عند وجود مشكلات صحية مصاحبة، مشددًا على ضرورة المتابعة الفردية مع الطبيب، وقد يُنصح في بعض الحالات بالبدائل الشرعية كالإطعام أو قضاء الأيام لاحقًا.
ويتطرق إلى أهمية حملات التثقيف الصحي قبل رمضان، موضحًا أنها تسهم في تنظيم ورش عمل لمراقبة الصحة الذاتية، وتعليم استخدام أجهزة قياس السكر والضغط، وتوفير خطط غذائية مبسطة تتلاءم مع بيئة نقص الموارد، ما يرفع وعي المرضى ويقلل المضاعفات أثناء الصيام.
ويحذر حسونة من علاماتٍ تستدعي الإفطار الفوري والتواصل مع مختص، مثل الدوخة الشديدة أو الإغماء، وهبوط السكر الحاد إلى أقل من 70، والارتفاع الشديد في ضغط الدم، والخفقان غير الطبيعي أو ألم الصدر، إضافة إلى الضعف الشديد أو الاضطرابات البصرية.
ويختم بالتأكيد أن مرضى الجهاز التنفسي المزمن، كالمصابين بالربو، يحتاجون تقييمًا فرديًا قبل رمضان، وأن الالتزام بخطة العلاج وعدم تعديل الأدوية دون إشراف طبي أمرٌ ضروري، وفي حال نقص الأدوية قد تكون أولوية العلاج قبل الصيام لضمان السلامة.
وبعد أكثر من عامين من حرب الإبادة الجماعية، يعاني نظام الرعاية الصحية في غزة من انهيارٍ شبه كامل. ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن 94% من المستشفيات متضررة أو مدمرة، مع نقصٍ يصل إلى 52% في الأدوية الأساسية. هذا الواقع يجعل التحضير للصيام مسألةً معقدة لمرضى الأمراض المزمنة، الذين يتجاوز عددهم 225 ألف مصاب بارتفاع ضغط الدم و60 ألفًا بمرض السكري.
ويقول الدكتور منير البرش، المدير العام لوزارة الصحة في غزة، في تصريحٍ عبر "فيسبوك"، إن المرضى يواجهون نقصًا مزمنًا في الإمدادات الطبية، ما يجعل إدارة حالاتٍ مثل السكري أثناء الصيام مخاطرةً كبيرة.
كما يعاني السكان من سوء تغذيةٍ حاد، إذ يواجه 77% منهم نقصًا غذائيًا شديدًا، بينهم نحو 100 ألف طفل و37 ألف امرأة حامل، الأمر الذي يفاقم مخاطر الصيام لدى المرضى الذين يحتاجون إلى تغذيةٍ متوازنة للحفاظ على استقرار مستويات السكر والضغط.