يتجه الاقتصاد في الضفة الغربية نحو مرحلة شديدة الخطورة مع تسارع الخطوات الإسرائيلية الرامية إلى ضمّ مساحات واسعة من الأراضي وشرعنة بيعها، في تحولات يصفها مختصون بأنها تهديد مباشر لبنية الاقتصاد الفلسطيني وفرص بقائه.
ويحذّر خبراء من أن هذه الإجراءات قد تقود إلى تراجع معيشي حاد، وشلل في الحركة الاستثمارية، وفقدان متزايد للموارد الطبيعية، إلى جانب تعميق العزلة بين التجمعات السكانية وتقويض الأمن الغذائي.
طالع أيضًا: شهاب لـ "فلسطين": قرارات الكابينت "خطيرة" وتهدف لفرض السيادة على الضفة
وتأتي هذه التطورات عقب تشريعات وإجراءات إسرائيلية تستهدف توسيع السيطرة الفعلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، خصوصًا في المناطق المصنفة (ج)، عبر تسهيلات قانونية وإدارية تُكرّس واقع الضم وتفتح المجال لتوسيع الاستيطان ونقل الصلاحيات إلى جهات مدنية إسرائيلية، في تحول يُنظر إليه كانتقال من إدارة مؤقتة إلى تثبيت طويل الأمد للسيطرة على الأرض والموارد.
وحذّر الاختصاصي الاقتصادي د. ثابت أبو الروس من التداعيات الخطيرة لقرارات الكنيست المتعلقة بضمّ مناطق في الضفة والسماح للإسرائيليين بشراء أراضٍ فلسطينية، مؤكدًا أن هذه الخطوات تمثل اعتداءً مباشرًا على البنية التحتية للاقتصاد الوطني وتضع عراقيل غير مسبوقة أمام الاستثمار.
وأوضح أبو الروس لصحيفة "فلسطين" أن هذه القرارات ستقود إلى تقلّص كبير في الفرص الاستثمارية، إذ ستمنع المستثمرين من الداخل والخارج من إقامة مشاريع في المناطق المستهدفة، لا سيما مناطق (ج) التي شهدت قبل السابع من أكتوبر محاولات لإطلاق مشاريع تجارية كبرى. وأضاف أن حالة الضبابية الحالية ستدفع القطاع الخاص، وخاصة قطاع الإنشاءات والإعمار، إلى تراجع حاد.
الاختصاصي الاقتصادي د. ثابت أبو الروس يحذر من قرارات الكنيست المتعلقة بضمّ مناطق في الضفة
وأشار إلى أن من أبرز التداعيات الميدانية المتوقعة انحسار المناطق الرعوية ومنع المزارعين والرعاة من الوصول إلى أراضيهم في مناطق (ب) و(ج)، بما يهدد الثروة الحيوانية ويؤثر في الزراعة وقطف الزيتون في آلاف الدونمات التي قد تخضع لسيطرة إسرائيلية مباشرة.
طالع أيضًا: الكابينت يصدّق على قرارات "تصعيدية" تعمق ضم الضفة
كما لفت إلى أن المستثمر الفلسطيني سيواجه معضلة الحصول على تراخيص من "الإدارة المدنية" الإسرائيلية، وهي إجراءات قد تمتد لسنوات وتُعيق نشاط البناء، أحد أبرز محركات الاقتصاد في الضفة. ودعا إلى تحرك رسمي وشعبي متكامل لمواجهة هذه الإجراءات غير المسبوقة منذ عام 1967.
من جهته، رأى الاختصاصي الاقتصادي د. نائل موسى أن عملية الضم قائمة فعليًا منذ سنوات، موضحًا أن سلطات الاحتلال تسيطر بالفعل على نحو 60% من مساحة الضفة المصنفة مناطق (ج)، وأن الجديد يتمثل في الإعلان الصريح عن هذه السياسة ورفع السرية عن عمليات بيع الأراضي بما يسهّل تملك المستوطنين لها بشكل علني.
ووصف موسى لـ"فلسطين" الواقع الاقتصادي في الضفة بأنه يشهد تراجعًا متواصلًا، مبينًا أن الوصول إلى الموارد الطبيعية في مناطق (ج) أصبح شبه مستحيل، ما يهدد قطاعات الزراعة والرعي والتعدين والمحاجر.
الاختصاصي الاقتصادي د. نائل موسى يرى أن عملية الضم قائمة فعليًا منذ سنوات
كما أشار إلى تزايد عزلة المدن والتجمعات الفلسطينية عن بعضها، بالتوازي مع ارتفاع معدلات البطالة وتبنّي سياسات مالية ونقدية انكماشية نتيجة تأخر المستحقات وتقليص الإنفاق الحكومي، فضلًا عن تراجع السيولة النقدية بين المواطنين بفعل الإجراءات المالية الإسرائيلية.
واعتبر موسى أن أحداث السابع من أكتوبر شكّلت نقطة تحوّل مفصلية أعادت تشكيل الموازين السياسية والاقتصادية في المنطقة، معربًا عن شكوكه في قدرة صُنّاع القرار في السلطة الفلسطينية على التأثير في هذه المتغيرات في ظل محدودية السيطرة على الواقع الميداني.