تتجدد في قطاع غزة مؤشرات عودة أنماط النصب المالي المرتبطة بما يُسمّى “الاستثمار” وتشغيل الأموال، مستغلةً الضائقة الاقتصادية وثقة المواطنين الباحثين عن مصادر دخل سريعة. وتبرز عروض الأرباح الشهرية الثابتة والمجموعات المغلقة على تطبيقات التواصل الاجتماعي كأبرز أدوات الاستدراج، مع تحذيرات رسمية من مخاطر تسليم المدخرات لجهات غير مرخصة.
وتكشف شهادات متضررين عن نمطٍ متكرر يبدأ بكسب الثقة عبر تحويل أرباح رمزية، ثم ينتهي بانقطاع التواصل واختفاء الجهات القائمة على تلك الأنشطة. وفي الوقت الذي تؤكد وزارة الاقتصاد الوطني رصد مؤشرات عودة الظاهرة، تشير إلى عدم تسجيل شكاوى رسمية حديثة، داعيةً المواطنين إلى الحذر والتأكد من الترخيص القانوني لأي نشاط استثماري.
ويروي أحد الضحايا، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن القصة بدأت برسالة عبر صديقٍ مشترك عُرض فيها “استثمار مضمون” بعائد شهري ثابت. ويقول لـ"فلسطين أون لاين" إن الإلحاح على سرعة التحويل كان جوهر العرض، إذ طُلب منه الدفع فورًا بحجة أن الفرصة محدودة. وعندما طلب عقدًا رسميًا أو بيانات ترخيص واضحة بدأت المماطلة وتغيير الحديث، بل جرت محاولة إقناعه بأن كثرة الأسئلة قد تضيّع الربح.
اقرأ أيضًا: من الحصار إلى الاحتيال.. الوجه الآخر للأزمة المصرفية في غزة
ويشير مواطنٌ آخر إلى أن الاستدراج جرى عبر مجموعة “واتساب” تضم عددًا كبيرًا من المشاركين، حيث كانت تُنشر يوميًا صور أرباح وتحويلات مالية لإظهار المصداقية. ويضيف لـ"فلسطين أون لاين" أنه عندما طلب معرفة مقر الشركة أو سجلها القانوني لم يحصل على إجابة واضحة، بل طُلب منه إدخال مستثمرين جدد مقابل عمولة، وهو ما أدرك لاحقًا أنه نمط استثمار هرمي.
وفي شهادة ثالثة، يصف أحد المتضررين ما سمّاه “كسب الثقة الممنهج”، موضحًا أن الجهة القائمة أرسلت أرباحًا رمزية في البداية لإقناعه بزيادة المبلغ، لكنه يؤكد أنه بمجرد طلب استرداد كامل رأس المال توقفت الردود تمامًا واختفت الحسابات التي كانت تتواصل معه، مشيرًا إلى خسارته نحو 1500 دولار.
من جهته، حذّر المدير العام المكلّف بالدراسات والتطوير والتنمية الاقتصادية في وزارة الاقتصاد الوطني د. محمد بربخ من تنامي محاولات النصب المالي في قطاع غزة تحت مسمّى “الاستثمار” و“تشغيل الأموال”، مؤكدًا أن الجهات المختصة تتابع مؤشرات عودة هذه الظاهرة مستغلة الظروف الاقتصادية الراهنة.

د. محمد بربخ
وأوضح بربخ لـ "فلسطين أون لاين" أن دور الجهات المعنية يتركّز حاليًا على التوعية ورفع مستوى الحذر لدى المواطنين، مشيرًا إلى أنه رغم عدم تسجيل شكاوى رسمية حديثة لدى الوزارة، فقد وردت استفسارات متعددة من مواطنين عُرض عليهم الدخول في مشاريع استثمارية جماعية مشبوهة.
وبيّن أن القطاع شهد قبل الحرب ست قضايا كبرى للنصب المالي؛ اثنتان منها عبر شركات لها مقرات وتدريبات، وأربع حالات عبر تجميع فردي للأموال، حيث بلغ إجمالي الأموال المحتال بها نحو 15 مليون دولار. وقد أُحيلت هذه القضايا إلى نيابة جرائم الأموال، فيما سُويت بعض الحالات خارج الأطر القضائية أو دون تقديم شكاوى بسبب مغادرة أصحابها.
اقرأ أيضًا: حرب الإبادة تشلّ قطاع التكنولوجيا وتطيح بالاقتصاد الرقمي
وأشار إلى أن هذه الأنشطة تقوم غالبًا على تجميع الأموال دون إطار قانوني واضح، مع لجوء بعض القائمين عليها إلى تسييل أصول مثل العقارات أو الذهب وإخفاء مصادر الأموال. وأكد أن ما يُعرف بالاستثمار الهرمي والتداول الرقمي التجميعي محظور ما لم يتم عبر شركات مسجلة وخاضعة لرقابة مستمرة، وأن إجراءات التسجيل والرقابة المالية تمثّل نقطة الكشف الأساسية عن الجرائم في هذا المجال.
وشدّد على أن الاستثمار الفردي دون تجميع أموال يبقى مسؤولية شخصية، داعيًا المواطنين إلى توخي الحذر الشديد وعدم تسليم مدخراتهم لأي جهة غير مرخصة، والإبلاغ عن أي شبهات لحماية المجتمع من خسائر جديدة.

