تتوافد يوميًا عشرات الحالات المصابة بالتهابات صدرية حادة ومضاعفات تنفسية إلى قسم الطوارئ في مستشفى الرنتيسي للأطفال بمدينة غزة. وعلى الرغم من تزامن ذلك مع موسم انتشار الإنفلونزا خلال فصلي الخريف والشتاء من كل عام، فإن اختلاف الأعراض وشدة المضاعفات مقارنةً بما كان معتادًا سابقًا -ووصولها إلى حد وفاة بعض الأطفال- يعزّز الاعتقاد بوجود فيروس لم يُكتشف بعد.
وبخلاف ما يُتداول بين الأهالي عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن كونه فيروس "كورونا"، يؤكد أطباء لصحيفة "فلسطين" أن الفحوصات التي أُجريت على عينات عشوائية أثبتت عدم كونه "كورونا"، في حين لم تُحدَّد طبيعته حتى الآن، على الرغم من وضوح أعراضه، وأبرزها: ضيق التنفس المؤدي إلى نقص الأكسجين، والصفير الصدري، والسعال المتواصل، وارتفاع درجة الحرارة.
داخل مستشفى الرنتيسي، تتكدس الغرف والأقسام بالأطفال المصابين بالتهابات الجهاز التنفسي، ولا سيما التهاب الشعب الهوائية الناتج عن الفيروسات المنتشرة، فيما تصطف أجهزة التنفس الاصطناعي وأجهزة التبخير جنبًا إلى جنب في محاولة لإنقاذ الحالات الحرجة.
إصابات متعددة
تتمدد الطفلة ملك طارق جمعة، التي لم يتجاوز عمرها خمسين يومًا، على أحد أسرّة المشفى، موصولةً بجهاز تنفس يمدّها بالأكسجين نتيجة ضيق تنفس شديد. تعاني احتقانًا وسعالًا متواصلًا، بينما تسهر والدتها وجدتها إلى جوارها، كما تفعل الطواقم الطبية.
وتروي والدتها لـ "فلسطين أون لاين" أن العدوى بدأت بإصابة شقيقها البالغ عامين ونصف العام، مع حرارة وصلت إلى 39.5 درجة مئوية وسعال وضيق في التنفس، قبل أن تنتقل العدوى إلى شقيقتهما الرضيعة ثم إلى الوالدين. وتؤكد أن طفلها، رغم تلقي العلاج منذ ثلاثة أسابيع، لم يتماثل للشفاء الكامل، ولا تزال الأعراض الحادة ترافقه وترافق شقيقته التي فقدت شهية الرضاعة.

وترى الأم أن ما يتعرض له أطفالها يختلف عن الأنفلونزا الموسمية المعروفة، إذ لا تصل مضاعفاتها عادةً إلى الحاجة لوضع الطفل على جهاز أكسجين على مدار الساعة. كما تزيد ظروف العيش داخل خيمة الإيواء، والتنقل المستمر في أجواء باردة، من صعوبة التعافي.
وفي غرفة عناية مكثفة أُنشئت بإمكانات محدودة بعد تدمير الغرفة الأصلية جراء قصف الاحتلال، يكافح الطفل محمد صالح فسفوس (5 أعوام) لالتقاط أنفاسه، موضوعًا على جهاز أكسجين وسط سعال شديد وضيق تنفس واضح. وتقول والدته إن طفلها لم يكن يعاني أي أمراض سابقة، لكن العدوى انتقلت إليه خلال زيارة عائلية، لتظهر المضاعفات سريعًا ويحتاج إلى دعم تنفسي منذ ثلاثة أيام.
وتشير إلى أن إقامته في خيمة بميناء غزة، وسط بيئة ملوثة بالنفايات والصرف الصحي، تزيد من تدهور حالته الصحية وتُهيئ لانتشار الفيروسات.
وفي غرفة أخرى، تحتضن نعمة مهاني طفلتها "وتين" التي تعاني صعوبة في التنفس وارتفاعًا في الحرارة وصل إلى 40 درجة مئوية، ما استدعى إدخالها المستشفى منذ أربعة أيام بعد انتكاسة مفاجئة. وتربط الأم إصابة طفلتها بظروف المخيم، حيث القمامة والبعوض ومياه الصرف الصحي المحيطة بالخيام.

كما تؤكد والدة الطفل عبد الله السردي (10 أشهر) أن حالة طفلها تدهورت عقب استنشاقه الغبار والغازات الناتجة عن قصف مركز شرطة الشيخ رضوان قرب منزلهم، ما أدى إلى صعوبة في التنفس وامتناعه عن الرضاعة، واضطر الأطباء لإدخاله ووضعه على جهاز أكسجين.
انتشار يتجاوز القدرة الاستيعابية
تبلغ السعة السريرية للقسم نحو 30 سريرًا، فيما يستقبل حاليًا ما بين 50 و60 حالة مبيت، وقد يصل العدد في بعض الموجات إلى 100 حالة، الأمر الذي يزيد احتمالات انتقال العدوى. كما سُجّلت نحو خمس حالات وفاة لأطفال دون ظهور أعراض إنذارية شديدة مسبقًا.
ووفق المديرة الطبية لمستشفى الرنتيسي الدكتورة وصال أبو لبن، استقبل قسم الطوارئ خلال الشهر الماضي نحو 400 حالة يوميًا، قبل أن ينخفض المعدل مؤخرًا إلى قرابة 200 حالة يوميًا، معظمها التهابات صدرية، يُدخَل منها نحو 40 حالة إلى الأقسام.

وتوضح أن الفيروسات التنفسية الموسمية معروفة وتكثر شتاءً، وتصيب الجهاز التنفسي العلوي والسفلي، وتكون أشد خطورة على الرضّع وحديثي الولادة بسبب ضعف المناعة. وتشمل الأعراض ارتفاع الحرارة، وصعوبة التنفس، والازرقاق، والتشنجات، وقد تتطور إلى التهاب رئوي.
وحول الوفيات، تشير إلى أن بعضها لأطفال بلا أمراض مزمنة، بينهم طفلة توفيت خلال 24 ساعة من دخولها نتيجة التهاب رئوي حاد، بينما كانت حالات أخرى تعاني أمراضًا مزمنة تفاقمت مع العدوى.
وترجّح أن بيئة المخيمات المكتظة وقلة النظافة تسرّع انتقال العدوى عبر الهواء واللمس والرذاذ. كما تؤكد أن الفحوصات استبعدت فيروس "كورونا"، فيما لم يُحدَّد الفيروس المسبب بعد، مع ملاحظة سرعة انتشاره داخل العائلة الواحدة وطول فترة المرض التي قد تمتد إلى 20 يومًا أو شهر.

