قائمة الموقع

بين الرُّكام والمُخلفات.. قصة داود الذي بترت الحرب ساقيه ومستقبله

2026-02-10T09:19:00+02:00
الجريح داود عيد
فلسطين أون لاين

لم تقتصر حرب الإبادة في قطاع غزة على الغارات الجوية والاجتياحات البرية وما رافقها من قصف مدفعي، وعمليات نسفٍ وتدمير خلَّفت مجازر مروعة، بل إنها تركت وراءها أيضًا حقولاً خفيةً من الموتِ على هيئةِ ألغامٍ غير منفجرة، تُواصل حَصدَ أرواح المواطنين وتشويه أجسادهم. أحد هؤلاء الضحايا، داود عيد (19 عامًا)، الذي فقد ساقيه في انفجار لغمٍ من مُخلفات جيش الاحتلال الإسرائيلي، تسبَّب بكارثةٍ له وهو في بدايةِ شبابه.

تعود الحِكاية إلى يوم الأربعاء، 13 أغسطس/ آب 2025، عندما حاول داود الوصول إلى منزل العائلة في منطقة القرم، شرق مخيم جباليا في المحافظة الشمالية لقطاع غزة، بعدما شاع أن جيش الاحتلال، نسف مربعات سكنية كاملة هناك.

لم يكن داود وحده في رحلته المحفوفة بالمخاطر، ورافقه في سَيْرِه بين الأزقةِ الضيقة وفوق ركام المنازل المدمرة، ابن عمه عيد عيد (20 عامًا). وعلى الرغم من أن الحرب لم تكن قد وضعت أوزارها، وبينما كان يواصل جيش الاحتلال عملياته العسكرية، إلا أن ابنا العم استمرا في طريقهما دون تردد.

"كنت بدي أعرف إذا البيت ضايل واقف ولا نزلوه"، قال دواد لـ "فلسطين أون لاين"، عن دوافع ذهابه إلى منطقة سكنه.

وأضاف: "عندما وصلت، صدمت بمشاهد الخراب.. كان منزلنا مدمرًا بالكامل، والمنطقة تغيرت معالمها.. منازل تحولت إلى كتل أسمنتية، وأسقف منهارة، وأعمدة خرسانية مبعثرة في كل اتجاه".

لم يمضِ على وصولهما سوى دقائق قليلة، وقد أصيبا بخيبة أمل كبيرة بعدما شاهدا المنزل الوحيد للعائلة، مُدمر، فقررا العودة من نفس الطريق التي جاءا منها، وحدث حينها ما لم يكن متوقعًا.

على حين غَرَّة، دوى صوت اهتزت له أرجاء منطقة جباليا البلد، شمالي القطاع، وألقي الشابين أرضًا على بعد عدة مترات، جرَّاء انفجار لغم من مُخلفات الحرب كان مدفونًا بين الركام.

يواصل داود حديثه بألم أطَلَّ من كلماته: "كنا نسير في نفس الطريق، لم نلاحظ شيء في محيطنا، فجأة وجدت نفسي ملقى على الأرض ولم يعد بإمكاني الحركة، أما عيد، شاهدته ملقى بالقرب مني وهو ينزف الدماء بشدة".

المنطقة التي أصيب فيها ابنا العم، لم يكن أي تواجد لمواطنين، في حين أن صوت الانفجار دفع عدد من الشبان للمجيء ومعرفة تفاصيل الحدث بعد قرابة ساعة، فوجدوا الجريحان ينزفان بشدة. بينما كان دواد يلتقط أنفاسه بثقل، كان ابن عمه عيد، قد فارق الحياة بعدما مزقت الشظايا جسده وأصابته في مقتل.

على الفور، رفع الشبان الجريحيْن بواسطة بطانية، ونقلوهما إلى نهاية شارع الجلاء، شمال مدينة غزة، حيث كانت سيارة إسعاف تنتظرهم هناك، وبمجرد أن صارا على متنها، طارت بهما إلى مجمع الشفاء الطبي.

داود، الذي أصيب بجروح عميقة لا تندمل، كان في حالة صحية بالغة الخطورة، وقد فقد الوعي تمامًا. وعندما أدخل إلى غرف العمليات، اكتشف الأطباء الكارثة؛ لم يسلم شبرًا واحدًا من جسده إلا واخترقته شظايا اللغم الإسرائيلي.

وعلى إثر الإصابة والنزيف الحاد، لجأ الأطباء إلى تعويض جسده بـ30 وحدة دماء لإنقاذ حياته، وقرروا بتر ساقه اليمنى بسبب التهتكات الشديدة التي أصابتها وجعلت من المستحيل إنقاذها.

وبعد مرور يوم واحد فقط، نقل الشاب الجريح إلى مستشفى القدس، في حي تل الهوا، جنوبي مدينة غزة، ولم تفلح جهود الأطباء الذي يعملون بإمكانيات ضئيلة جراء تدمير (إسرائيل) المنظومة الصحية، في إنقاذ ساقه اليسرى، ولجؤوا إلى بترها بعدما سحقتها الشظايا.

وبعد قضائه عدة أشهر في المستشفيات حاول الأطباء خلالها مداواة جروحه، خرج داود ليجد نفسه بنصف جسدٍ مقيدٍ بكرسي متحرك، وقد حرمته الإصابة من تحقيق حلمه بحياة طبيعية ومستقبل تعليمي مزدهر.

داخل غرفة ضيقة في مخيم البريج، وسط قطاع غزة، وجد داود وعائلته ملاذهم الأخير بعد تدمير منزلهم، ونزوح قسري لا يتوقف منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وحتى بعد توقفها جزئيًا مع بدء سريان وقف إطلاق النار، يوم 10 أكتوبر 2025.

اقرأ أيضًا: المتحدث باسم الدفاع المدني: مُخلفات الحَرب خطرٌ كبيرٌ يُهدد فِرقنا العاملة بغزة

بصوت مخنوق، يعترف أنه لم يتوقع للحظة واحدة أن يفقد ساقيه، ليُصبح اعتماده الكلي على والديه وأشقائه في الجلوس والانتقال بين الفراش والكرسي الذي يحكي بصمت مأساة شاب صار مُقعدًا.

كان دواد، وهو بِكر والديه ويصغره 3 أشقاء وشقيقات، قبل الإصابة، شابًا طموحًا، دائمًا يلتقي مع أصدقائه، ويحكي لهم عن أحلامه.

"كنت أستعد لإكمال الثانوية العامة قبل أن أجهز نفسي للسفر والدراسة في إحدى الجامعات العربية، لكن الحرب أخذت مني ساقيّ وبترت مستقبلي أيضًا." قال داود وقد اغرورقت عيناه بالدموع.

بجواره، تجلس والدته إيمان عيد (35 عامًا)، تراقبه بحزنٍ صامت، تمسك بيديه وتواسيه، بينما تحاول إخفاء وجعها. تقول: إن حياة "ابنها انقلبت رأسًا على عقب، وإن طموحه الكبير اختُزل في البحث عن فرصة علاج".

في الصباحات الباردة، تحمل ابنها بين يديها وتضعه على كرسيه المتحرك، حيث يمضي غالبية وقته جالسًا، وحين يهبط الظلام تُعيده إلى فِراشه داخل الغرفة التي يتشارك فيها أفراد العائلة الستة، مأساة النزوح.

ولا تقتصر معاناة داود على البتر، فالشظايا المستقرة في أنحاء جسده، ما تزال تسبب آلامًا مزمنة تحرمه النوم، وتزيد من معاناته النفسية. في حين أن أحلامه تحولت من إكمال تعليمه إلى مجرد الحصول على علاج مناسب وتركيب أطراف صناعية تحرره من الكرسي المتحرك الذي يقيد جسده.

اقرأ أيضًا: حماس تدعو للتَّحرُّك العاجل لإزالة "القنابل الموقوتة" في غزَّة

قصة داود ليست حالة فردية، بل نموذجًا متكررًا في قطاع غزة، حيث يواجه مليوني مواطن خطر مخلفات حرب الإبادة.

وتشير تقارير رسمية وأممية إلى أن جيش الاحتلال، أسقط على القطاع الساحلي خلال الحرب أكثر من 120 ألف طن من المتفجرات، تنوعت بين قنابل وصواريخ وقذائف مدفعية، إضافة إلى ألغام.

وبحسب تقديرات جهاز الدفاع المدني، فإن نحو 71 ألف طن من هذه الذخائر العسكرية لم تنفجر بعد، ما يجعل حياة المدنيين، محفوفة بالمخاطر. ومع محدودية الإمكانيات واستهداف فرق تحييد المتفجرات، تتزايد المخاوف من سقوط مزيد من الضحايا، في حرب لم تنتهِ آثارها بعد.

اخبار ذات صلة