لم يكن المرسم الذي فتح أبوابه للأطفال في دير البلح مكانًا صالحًا للرسم بقدر ما كان مساحة نجاة.
بين جدران متصدعة وآثار حريق وبقايا قذائف، جلست مجموعة من الأطفال تمسك بالريشة كما لو أنها تمسك بحياةٍ أخرى، في حين وقفت الفنانة التشكيلية ميساء يوسف تقودهم بهدوء نحو نافذةٍ من ألوان أسمتها: «رسائل إلى السماء».
في خضم الحرب الإسرائيلية على غزة، وجدت يوسف (42 عامًا) في العلاج بالفن طوق نجاة شخصيًا وإنسانيًا؛ وسيلةً لمقاومة الخوف الذي سيطر عليها وعلى أطفالها، ومساحةً لتفريغ ما يثقل صدور عشرات الأطفال الذين عاشوا القصف والنزوح والفقد.
تقول يوسف إن قرار العودة إلى الفن خلال الحرب كان من أصعب ما اتخذته: «ممارسة جزء من الحياة الطبيعية في ظروف غير طبيعية لم يكن سهلًا… العودة إلى الفن ليست ترفًا، بل حفظٌ للهوية وقصة نزوح وموت وخطوط ذاكرة لا تُنسى».

الفنانة التشكيلية ميساء يوسف
وتستعيد لحظة التحول في فبراير/شباط 2024، حين كانت تعيش إحباطًا شديدًا وتنتظر الأسوأ، قبل أن تتلقى طلبًا من صحفية تركية لإرسال أعمال فنية تُعرض رسالةً إنسانية إلى السيدة التركية الأولى أمينة أردوغان.
أرسلت يوسف لوحاتٍ قديمة أنجزتها عقب حرب 2008، عُرضت لاحقًا في معرض فني بتركيا، فيما جابت شاحنات تحمل أعمالها شوارع نيويورك بالتزامن مع زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان للبيت الأبيض.
تقول: «شعرت وقتها أنني لست رقمًا… بل إنسان يحمل قصة ورسالة، فقررت مواصلة الطريق والمشاركة في معارض دولية لنقل معاناة شعبي».
ورغم ظروف الحرب القاسية ونقص الأدوات وغياب المكان الآمن، انضمت يوسف إلى «بينالي غزة» وأنجزت أول عملين فنيين خلال الحرب، ووصفت التجربة بأنها «عودة للحياة والتنفس بعد الاختناق».
بالتوازي، فتحت منزلها ومرسمها المتضرر لعشرات الأطفال، بينهم نازحون يعيشون الخوف ذاته الذي يعيشه أطفالها الثلاثة.
«كان لدينا أكثر من 20 طفلًا في البداية… بدأنا ورشات تفريغ نفسي وعلاج بالفن لإبعاد كابوس الحرب عنهم»، تقول يوسف، مشيرةً إلى أن العمل مع الأطفال ساعدها هي أيضًا على التخلص من القلق واستعادة شيءٍ من الطمأنينة.
وترى الفنانة الغزية أن الفن «لغة عالمية» قادرة على نشر السلام والأمل دون ترجمة، وهو ما دفعها لإطلاق مبادرة «رسائل إلى السماء» من فوق الركام؛ مساحة يروي فيها الأطفال قصص نزوحهم وأحلامهم وما تركته الحرب في داخلهم.
يوسف، الحاصلة على بكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة الأقصى، بدأت مسيرتها الفنية مبكرًا وشاركت في أول معرض جماعي عام 2005 برسومات عن النكبة الفلسطينية، قبل أن تنخرط في معارض محلية ودولية وتجارب طويلة في فن الكولاج.
لكن الحرب أوقفت مشروع «الأتيليه» الخاص بها، ودمّرت منزلها ومرسمها وأرشيفها الفني بالكامل بعد قصفه بقذائف حارقة، لتجد نفسها «تعيش على الركام» بعد أن فقدت كل ما تملك.

ورغم ذلك، استمر المشروع بدعمٍ من مؤسسة عبد المحسن القطان وجمعيات إيطالية أرسلت أدوات فنية، إضافةً إلى مساهمات فنانين من أنحاء العالم. ومع عودتها إلى غزة، بات المرسم يستقبل ما بين 35 و45 طفلًا أسبوعيًا، مع إمكانية توسيع الورشات لاحقًا.
وتحظى المبادرة بتفاعل دولي؛ إذ تُنظم فعاليات باسم «رسائل إلى السماء» في مدارس وكنائس بإيطاليا، ويتبادل الأطفال الرسائل مع أقرانهم في الخارج ليؤكدوا لهم أنهم «ليسوا وحدهم». كما يجري العمل على إصدار كتاب يحمل الاسم ذاته، يضم رسومات الأطفال وقصصهم وشهادات أمهاتهم.
وتشير يوسف إلى تحسنٍ ملحوظ في الحالة النفسية للأطفال المشاركين، خصوصًا من تعرضوا لصدمات شديدة أو فقدوا أفرادًا من عائلاتهم، مؤكدةً أن الفن ساعدهم على «العودة إلى الحياة».
لكن المشروع لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها نقص الإمكانات وغلاء الأدوات وصعوبة التنقل، إضافةً إلى خطورة المكان المفتوح على الركام وآثار القصف، ما يثير الخوف في نفوس الأطفال، خاصة مع تعرض محيط الورشات للقصف أكثر من مرة.
ورغم كل ذلك، تتمسك يوسف بالأمل في إعادة إعمار منزلها ومرسمها سريعًا لتواصل العمل مع الأطفال وتستعيد حياتها الفنية.
ففي غزة، حيث تتكاثر الحكايات المؤلمة، تحاول مجموعة صغيرة من الألوان أن تكتب نهايةً مختلفة… رسالةً ترتفع من بين الركام إلى السماء.

