فلسطين أون لاين

تقرير حمادة الهبيل... سيرةُ خبزٍ وماءٍ انتهت بصاروخ

...
الشهيد حمادة الهبيل وطفله
غزة/ عبد الرحمن يونس

لم يكن صباح مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة يشبه ما قبله بعد ذلك الصاروخ.

في الطريق القريب من البيوت التي اعتاد أن يطرق أبوابها حاملاً الخبز والماء، انتهت حياة حمادة الهبيل (32 عامًا)، الشاب الذي عرفه السكان وجهًا يوميًا للنجدة الصامتة، ورجل المهمات التي لا ينتظر أصحابها شكرًا ولا ضوءًا.

استهدفته طائرات الاحتلال الإسرائيلي في أثناء عودته من عمله في مطبخ تكية خيرية، بعدما أمضى ساعات الفجر الأولى في إعداد الطعام وتوزيعه على الأسر الفقيرة والنازحين. صاروخ واحد أنهى حياته، وترك فراغًا واسعًا في مخيم اعتاد حضوره في أدق تفاصيل يومه.

ومنذ اندلاع الحرب، برز اسم الهبيل بين أكثر الشبان نشاطًا في لجان الإغاثة والطوارئ؛ يتنقل بين البيوت لتوزيع الخبز والمياه، ويتابع احتياجات الأرامل وكبار السن، ويساعد المرضى في الوصول إلى العلاج، ويشارك في حل المشكلات اليومية للسكان.

يقول أحد جيرانه: «ما كان يقعد في البيت… طول اليوم في الشارع يخدم الناس. إذا في مشكلة في الحي، أول اسم يخطر في بالك هو حمادة».

في مطبخ التكية، كان يبدأ يومه قبل شروق الشمس، ثم يخرج بنفسه لتسليم الطعام للأسر التي لا تستطيع الوصول إلى نقاط التوزيع. لم يكن العمل بالنسبة له مهمة عابرة، بل التزامًا يوميًا تجاه أبناء مخيمه.

images (12).jpg


شقيقه طارق الهبيل وصفه بأنه «عمود من أعمدة المخيم»، مضيفًا لـ "فلسطين أون لاين": «إنه أخي وفخري وفخر المخيم… كان رجل المهمات الصعبة، وما ترك الميدان لحظة. نجا ثلاث مرات من الاغتيال، وفي الرابعة ترجل الفارس، وترك فراغًا كبيرًا لن يعوضه أحد».

في محيط مكان الاستهداف، كان الأطفال الأكثر تأثرًا. يروي صديقه بلال النجار: «طفل صغير كان يبكي بشدة. سأله صديقه: لماذا تبكي؟ قال: حمادة اللي الصبح أعطانا ربطة الخبز استشهد… وقتها فهمت كم كان قريبًا من الناس».

وخلال ساعات، تحولت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي إلى مساحة عزاء مفتوحة؛ صور ومنشورات نعي من مختلف فئات المخيم، يستعيدون فيها مواقف إنسانية صغيرة تركت أثرًا كبيرًا.

أما والدته، فاستقبلت الخبر بكلمات يختلط فيها الصبر بالفقد: «الحمد لله حمد الشاكرين… الحمد لله الذي أكرمني بهذا الشرف العظيم… اصطفاء فلذة كبدي شهيدًا… نحتسبه عند الله شهيدًا ولا نزكي على الله أحد».

اليوم، يظهر غيابه في التفاصيل اليومية للمخيم؛ حيث أن لجان الطوارئ تبحث عمن يسد مكانه، والأسر التي كانت تعتمد عليه تسأل عن البديل، والأطفال ينتظرون الخبز، فيما الأرامل يفتقدن من كان يطرق الأبواب بصمت.

ويقول جاره معاذ هنية: «كنا نعتمد عليه في كل شيء… لما استشهد حسّينا إن المخيم فقد واحدًا من أهله، مش مجرد شاب».

برحيل حمادة الهبيل، خسر مخيم الشاطئ أحد أبرز وجوه العمل الإنساني الشعبي؛ شابًا بلا صفة رسمية، لكنه حمل همّ الناس يوميًا، وترك خلفه سيرة تبدأ بخدمة بسيطة… وتنتهي بحكاية لا ينساها المخيم.

المصدر / فلسطين أون لاين