لم يعد الخطر في وادي المطوي احتمالًا بعيدًا، بل واقعًا يقترب مترًا بعد آخر من أبواب البيوت. هنا، حيث تتجاور أشجار الزيتون مع خيام الخوف اليومي، يقف المواطن فاروق بركات وأبناؤه بصدورٍ عارية في مواجهة تمدّدٍ استيطاني يتقدّم نحو مساكنهم، مهدّدًا وجودهم وأرضهم ومستقبل أطفالهم.
منذ سبع سنوات تسكن عائلة بركات سبعة بيوت في الوادي، في مكانٍ كان يخلو تمامًا من المستوطنين. لكن المشهد تغيّر تدريجيًا خلال العامين الأخيرين، مع إقامة بؤرة استيطانية من الكرفانات لا تبعد سوى عشر دقائق بالسيارة، قبل أن يبدأ التمدّد بالاستيلاء على الأراضي الزراعية المحيطة وتسييجها حتى بات المستوطنون على بُعد نحو مئة متر فقط من منازل العائلة.
يقول بركات إن الاعتداءات لم تتوقف عند مصادرة الأرض، بل طالت تفاصيل الحياة اليومية: "يحاولون سرقة الأغنام، ويعتدون على الأطفال، ويطلقون النار عشوائيًا على بيوتنا… حياتنا كلها أصبحت في خطر".
ومع تصاعد الهجمات، غادر أحد السكان المكان، ولم يبقَ سوى بركات وشقيقه وأبناؤهما، في ظل خوفٍ دائم يمنعهم حتى من الخروج ليلًا إلا للضرورة القصوى.
ويضيف: "لديّ ثلاثون حفيدًا نخشى عليهم من إرهاب المستوطنين، وحتى المدرسة لا نرسلهم إليها إلا بسيارات خاصة".
يرى بركات أن بقاء العائلة في الوادي يشكّل خط الدفاع الأول عن بلدة بروقين المجاورة، محذرًا من أن الاستيلاء على بيوتهم سيفتح الباب أمام تمدّدٍ استيطاني أوسع داخل البلدة نفسها.
يؤكد الناشط ضد الاستيطان رائد موقدي أن وادي المطوي يمتد على أكثر من ثلاثة آلاف دونم، ويُعد منطقة زراعية استراتيجية تشتهر بأشجار الزيتون، وتشكل مصدرًا رئيسيًا لإنتاج الزيت لأكثر من ستين عائلة في سلفيت وبروقين وفرخة.
كما تتميز المنطقة بوجود ينابيع مياه تغذيها سلاسل جبلية من منطقة عين عدس، وكانت حتى وقتٍ قريب حلقة وصل جغرافية بين بروقين وسلفيت وكفر الديك، إضافة إلى مساهمتها بنحو 45% من إمدادات المياه لسلفيت، فضلًا عن تنوّعها البيئي الفريد.
لكن عام 2024 شهد بداية نشاطٍ استيطاني متسارع في محيط الوادي، شمل إنشاء بؤر جديدة وشق طرق تربط بينها عبر الأراضي الزراعية، ما أدى إلى اقتلاع أشجار الزيتون وإتلاف المحاصيل وفرض وجودٍ دائم للمستوطنين.
ووفق توثيقات محلية، سُجّل أكثر من خمسين اعتداءً على الأراضي الزراعية، إلى جانب مخاطر متزايدة تهدد المزارعين أثناء وجودهم في أراضيهم.
يقع في الوادي حيّ سكني صغير تابع لبلدة بروقين يضم تسعة منازل قرب موقع جلال الدين الأثري، وقد شقّ المستوطنون طرقًا للوصول إلى المنطقة، ما جعل الاعتداءات على السكان والأطفال أمرًا شبه يومي، وباتت الحياة هناك محفوفة بالمخاطر.
كما يضم الوادي موقعين أثريين بارزين هما جلال الدين وخربة قرقش، وقد جرى تسييج الأراضي المحيطة بهما مؤخرًا، في خطوة يخشى ناشطون أن تكون تمهيدًا لتوسّع استيطاني جديد يهدد الطابع التاريخي والجغرافي للمنطقة.
بين أرضٍ تُنتزع تدريجيًا وخوفٍ يكبر في عيون الأطفال، يواصل سكان وادي المطوي تمسّكهم بالبقاء.
لا يملكون سوى بيوتهم وأشجارهم وذاكرة المكان… لكنهم يدركون أن الرحيل هذه المرة لن يكون فقدان منزلٍ فقط، بل خسارة وادٍ كاملٍ كان يومًا طريقًا للحياة.