في حلقة جديدة من برنامج "ما خفي أعظم" على قناة "الجزيرة"، تم كشف تفاصيل اغتيال المسؤول الأمني الكبير في قطاع غزة، أحمد عبد الباري زمزم "أبو المجد"، على يد عملاء محليين مرتبطين مباشرة بمخابرات الاحتلال الإسرائيلي "الشاباك". التفاصيل التي رُفعت إلى العلن، بما في ذلك صور وكاميرات مراقبة ومسار العملية نفسها، لم تعد مجرد رواية عن اغتيال فردي، بل دليل صارخ على الاستراتيجية الإسرائيلية في استخدام العملاء والمليشيات المحلية أدوات رئيسة لضرب المقاومة الفلسطينية من الداخل.
أبو المجد لم يكن أي مسؤول؛ كان الشخصية التي تقود ملف مراقبة المليشيات المرتبطة بالاحتلال، وتمكن من إقناع بعضهم بالتوبة وتسليم أنفسهم، وهو ما يجعل اغتياله رسالة واضحة: كل من يحاول حماية المقاومة أو تفكيك شبكات العملاء يصبح هدفًا مباشرًا للاحتلال. العملية نفسها، التي جرى خلالها إطلاق 17 طلقة على سيارته باستخدام مسدسات مزودة بكاتم صوت، وتغطيتها عبر كاميرا مثبتة على جسم العميل وطائرات مسيرة، تُظهر مدى تطور أساليب الاحتلال في توظيف التكنولوجيا لتسهيل اغتيالاته على الأرض.
لكن ما كشفته الجزيرة ليس مفاجئًا إذا نظرنا إلى التاريخ. سقوط المليشيات في لبنان خلال النصف الثاني من القرن الماضي يقدم نموذجًا واضحًا لما يحدث اليوم في غزة. في لبنان، خلال الحرب الأهلية وما تلاها، اعتمد الاحتلال الإسرائيلي على تشكيل مليشيات محلية لتنفيذ عمليات اغتيال، مراقبة الشخصيات المناهضة للاحتلال، وفرض النفوذ السياسي والاستخباراتي في الداخل اللبناني. كانت تلك المليشيات، المعروفة باسم "المليشيات"، أداة مباشرة للاحتلال، وتسببت في فراغ أمني، فقدان سيادة، وتشظي المجتمعات المحلية.
اليوم، ما يحدث في غزة هو نسخة مطورة من التجربة اللبنانية، مع اختلاف واضح: التكنولوجيا الحديثة جعلت العملاء أكثر خطورة. فهؤلاء الشباب، ممن جرى تجنيدهم في مناطق تحت سيطرة الاحتلال، يتلقون تدريبات دقيقة على استخدام الأسلحة، الطائرات المسيرة، والكاميرات المثبتة على الجسم، ويعملون ضمن شبكة متكاملة من العملاء والمليشيات المحلية، قادرة على اختراق أي خطوط أمان، سواء في الأحياء السكنية أو في مواقع المقاومة. العملية ضد أبو المجد هي مثال حي على ذلك: العميل الذي اعترف بأنه تم تجنيده لمدة شهر فقط، نفذ مهمة معقدة تحت إشراف مباشر من ضابط "الشاباك"، قبل أن يُقبض عليه، في حين يهرب شريكه إلى مناطق الاحتلال.
هذه الوقائع تطرح سؤالًا جوهريًا: هل المقاومة في غزة مستعدة للتعامل مع شبكات العملاء بنفس الأسلوب الذي تعاملت به في الماضي مع المليشيات اللبنانية؟ التاريخ اللبناني يعلمنا أن السماح بوجود مليشيات محلية تعمل أدوات للاحتلال يؤدي إلى تفكيك النسيج المجتمعي، وزعزعة أي قدرات مقاومة على المدى الطويل. أما في غزة، فالتهديد اليوم أكثر دقة وذكاء، لأن الاحتلال يعتمد على العملاء المحليين في خطوط المواجهة المباشرة، وليس فقط في التجسس أو جمع المعلومات.
وبينما يركز الإعلام أحيانًا على ضحايا الغارات والقتلى، فإن هذه العملية تظهر أن العدو لا يكتفي بالغارات الجوية؛ بل يسعى إلى تدمير المقاومة من الداخل، عبر العملاء، والمليشيات، والاستغلال النفسي للشباب. كل عميل محلي يصبح أداة في يد الاحتلال، سواء في اغتيال قيادات المقاومة، أو تسريب المعلومات، أو حتى اختراق خطوط المساعدات الإنسانية.
إذا أرادت غزة أن تحافظ على أمنها الداخلي وقدرات قيادتها، فعليها أن تعيد النظر في أساليب حماية المسؤولين، وتعزيز الوعي داخل المجتمع بشأن خطورة العملاء والمليشيات المحلية. التاريخ اللبناني يجب أن يكون درسًا صارخًا، وليس مجرد ذكرى، فالأخطاء نفسها في إدارة الشبكات المحلية والعملاء يمكن أن تتكرر، وقد تؤدي إلى أضرار أكثر فتكًا من أي غارة جوية، لأنها تهاجم المقاومة من الداخل.
في نهاية المطاف، ما كشفته الجزيرة ليس مجرد تحقيق صحفي؛ إنه تنبيه حقيقي للمقاومة الفلسطينية والمجتمع بأسره: الاحتلال لا يكتفي بالقتل المباشر، بل يعمل على بناء شبكاته الخاصة داخل المجتمع، مستفيدًا من ضعف الضمانات الأمنية والفجوات المجتمعية. ودون مواجهة إستراتيجية لهذه الظاهرة، فإن أي نجاح خارجي في مواجهة الاحتلال، مهما كان، سيظل هشًا أمام سلاح العملاء والمليشيات المحلية.