بين جدران ورشة تبدو آثار الحرب واضحة على سقفها وجدرانها القديمة، يقف الخزّاف أحمد عطا الله (28 عامًا) خلف دولاب كهربائي صغير لا تتجاوز سرعته الحدّ الأدنى اللازم لتشكيل الطين وصنع أوانٍ فخارية، ضمن مهمة يومية يلتزم بها الشاب ومجموعة من الحرفيين.
وعندما ينتهي أحمد من صناعة أشكال وأحجام مختلفة من الأواني الفخارية، يضعها العمال في ساحة مفتوحة تحت أشعة الشمس لتجف، لعدم وجود أفران مخصصة للحرق، وهي واحدة من أبرز الإشكاليات التي يتصدى لها هؤلاء، محاولين الحفاظ على جودة العمل بالرغم من ضعف الإمكانات المتوافرة.
في حيّ الدرج، الواقع في قلب مدينة غزة، تشتهر منطقة الفواخير بمصانعها التي حافظت طيلة الأعوام الماضية على صناعة الفخار لكونه إرثا فلسطينيا ومهنة يتوارثها الأبناء عن الآباء.
لكن المنطقة ذاتها، التي لم يعد الدمار فيها مشهدًا عابرًا في حياة الناس بل واقعًا مريرًا يفرض نفسه بثقل شديد، لم تسلم أيضًا ورش صناعة الفخار من ترسانة جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واستمرت عامين.
وبين الشوارع والأزقة الضيقة في منطقة الفواخير، تدلّل المنازل التي دمّرتها قنابل وصواريخ الاحتلال على حجم العنف العسكري الذي مورس هناك، ولم يسلم منه البشر ولا الحجر.
يقول أحمد، وهو يشكّل الطين الرطب بين يديه: "تعلّمت صناعة الفخار عندما كان عمري 10 أعوام.. إنها ليست مجرد مهنة بالنسبة لي، بل هي كل شيء في حياتي ومصدر رزقنا الوحيد".
ويضيف لـ "فلسطين أون لاين" أنه منذ أن بدأ العمل في الورشة التي يملكها والده، لم يواجه صعوبة في عمله كما يواجه اليوم إشكاليات عديدة بسبب الحرب وتداعياتها.
ويتابع: "طيلة الحرب لم نتمكن من العمل بسبب القصف والتوغّل البري والنزوح المستمر، فتوقفت الورشة وتعطلت العديد من آلاتها".
وتضم الورشة قسمًا خاصًا بتخزين الطين، وقسمًا لمعالجته، وآخر لتشكيله وصناعة الفخار.
وكان أحمد قد عاد إلى العمل مع زملائه بعد أيام من دخول اتفاق وقف إطلاق النار –المثقل بالخروقات الإسرائيلية– حيّز التنفيذ، وتحديدًا في العاشر من أكتوبر 2025، ظنًا منه أنه سيتمكن من استئناف تلبية طلبات المحال التجارية والزبائن على منتجات مختلفة.
لكنه صُدم بواقع أكثر صعوبة، بسبب عدم توفر تيار كهربائي منتظم يلزم لتشغيل الدولاب الوحيد في الورشة، وفقدان جفت الزيتون المخصص لإشعال أفران حرق الفخار وتجهيزه كمرحلة أخيرة للإنتاج، ما دفع القائمين على الورشة إلى تجفيفه تحت أشعة الشمس لأيام قبل بيعه.
وقبل حرب الإبادة، كانت الورشة التي يعمل فيها أحمد تصدّر أكثر من سبعة منتجات إلى الأسواق المحلية، من بينها أحواض للزراعة وطواجن مغربية، أما حاليًا فلا يُصنع بداخلها سوى ثلاثة منتجات فقط: الإبريق، والقدر، والزبدية.
داخل الورشة نفسها، ينهمك كل واحد من العمال الخمسة في مهمة خاصة به ضمن سلسلة تراتبية قبل أن يصل الطين إلى الدولاب ليبدأ تشكيله بين يدي الخزّاف أحمد.
وفي واحدة من هذه المهمات، يجلب أحد العمال كميات كبيرة من الطين ويضعها على الأرض ويرشّ عليها المياه، ثم يبدأ المشي فوقها بخطوات ثقيلة تغمر قدميه بالكامل في الطين الرطب رغم أجواء البرد القارس التي يتأثر بها القطاع الساحلي.
ويواصل العامل مهمته بطريقة بدائية دون توقف لمعالجة الطين لساعات، بهدف تحويله إلى مادة مرنة قابلة للتشكيل بسهولة، قبل أن ينقله إلى الدولاب لبدء تشكيله.
وفي الجوار، يقف صاحب الورشة صبري عطالله، في السبعينيات من عمره، يراقب العمال باهتمام شديد، ويحفّزهم باستمرار على إنجاز عملهم رغم ضعف الإمكانات، مع تزايد الطلب على الأواني الفخارية في ظل الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة ومنع دخول أدوات المطبخ والأواني المعدنية.
أما التحدي الأكبر أمام العاملين في ورشة آل عطالله لصناعة الفخار، وداخل ما تبقّى من ورش أخرى نجت من الحرب، فيتمثل في عدم القدرة على جلب المزيد من الطين، بعدما كانوا يأتون به من المناطق الشرقية للقطاع.
لكن بفعل وجود جيش الاحتلال، لم يعد بإمكان أحد الوصول إلى المناطق الغنية بتربة الطين، فيما صار مصير كل من يحاول الاقتراب الموت المحتم.
ويسيطر جيش الاحتلال على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، وفي إطار انتهاكاته المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار، تعمل قواته المنتشرة على الأرض على إزاحة مكعبات "الخط الأصفر" بهدف السيطرة على مزيد من الأراضي ودفع المواطنين إلى النزوح غربًا.
ورغم هذه التحديات وما يرافقها من تداعيات سلبية طالت مناحي الحياة في غزة، يواصل الشاب أحمد عطالله والعاملون معه في الورشة عملهم دون توقف، رغم قلة الإمكانات وتعطل العديد من الآلات الصدئة، محاولين الحفاظ على إرثهم وتراثهم الفلسطيني.
ويقول أحمد: "نحن لا نتخذ من صناعة الفخار مصدر رزق فحسب، بل إننا ننتمي إلى هذه المهنة".