تخفي الطفلة جواهر النمنم (4 أعوام) يدها الصغيرة كلما اقترب منها أطفال الحي، وكأنها تحاول الهروب من سؤالٍ يطاردها منذ إصابتها: متى سيعود جلدها كما كان؟
منذ أن التهمت نيران القصف جزءًا من جسدها، لم تعد تخشى الألم بقدر ما تخشى نظرات الآخرين وعزلتهم، لتتحول إصابتها الجسدية إلى جرحٍ نفسي أعمق في طفولةٍ لم تكتمل.
طالع أيضًا: الطفلة أبو عمرة.. ضحية هدنة لم يتوقف فيها صوت الرصاص
تعود فصول المأساة إلى التاسع من أبريل/نيسان من العام الماضي، حين كانت جواهر تلهو في فناء مدرسة تابعة لوكالة الغوث لجأت إليها عائلتها بعد نزوحٍ قاسٍ أفقدها منزلها في مخيم الشاطئ.
لحظات اللعب القليلة تحولت سريعًا إلى رعبٍ مفتوح، حين اشتعلت النيران في الخيام من حولها، فركضت مذعورة نحو والدتها قبل أن تقع فوق ألسنة اللهب، لتصاب بحروقٍ بالغة في يدها ورجلها، وفق ما ترويه جدتها سماح النمنم.
بعد ستة أشهر من العلاج المتقطع، حاول الأطباء ترميم يدها عبر أخذ رقعة جلدية من فخذها، غير أن العملية لم تنجح، وتفاقم التشوه مع نمو طبقة لحمٍ زائد فوق موضع الحروق، ما ضاعف الألم الجسدي والنفسي معًا.
وتوضح الجدة أن الحروق تغطي اليد اليسرى بالكامل، في حين تأثر الفخذ أيضًا بعد الجراحة، مؤكدة أن جواهر تحتاج إلى عمليات تجميل وترميم متقدمة لا تتوفر في غزة، في ظل عجز العائلة عن تأمين تحويلة علاجية أو تحمّل تكاليف التنقل والعلاج، خاصة مع عمل والدها بشكلٍ متقطع.
ولم تتوقف الخسائر عند جواهر وحدها؛ فقدت العائلة تقاريرها الطبية بعد غرق الخيام خلال منخفضٍ جوي، فيما يعاني شقيقها حاتم (16 عامًا) من فقدان عينه اليسرى جراء قصفٍ إسرائيلي سابق، رغم خضوعه لثلاث عمليات جراحية داخل القطاع وما يزال بحاجة لعلاجٍ خارجي عاجل للحفاظ على ما تبقى من بصره.
وتقول الجدة: إن كلفة الأدوية تفوق قدرة الأسرة التي بالكاد تؤمّن قوتها اليومي.
داخل الخيمة، تبكي جواهر كثيرًا حين يبتعد عنها الأطفال خوفًا من شكل يدها المحروقة، وتعاني من تبولٍ لا إرادي نتيجة حالتها النفسية.
تسأل جدتها ببراءة موجعة: "ليش إيد أختي حلوة وأنا لا؟… أنا بدي أطيب".
سؤالٌ صغير يختصر حجم الألم الذي تحمله طفلةٌ لم تعرف من العالم سوى النزوح والنار والانتظار.
قصة جواهر ليست حالة فردية في غزة، حيث تتقاطع الحروق الجسدية مع جراحٍ نفسية في ظل نقص العلاج المتخصص وتعقيدات السفر للعلاج خارج القطاع.
وبينما تتراكم معاناة عائلة النمنم بين الفقر والإصابات المتعددة، يبقى أملها معلقًا على التفاتة إنسانية تمكّن الطفلة وشقيقها من الوصول إلى العلاج اللازم، واستعادة ما تبقى من طفولةٍ سلبتها الحرب مبكرًا.
كل ما ترجوه العائلة أن ترى جواهر يومًا تبتسم دون خوف، وتلعب بيدٍ لا تخجل من إظهارها… يدٍ تعود كما كانت، حاملةً براءة الطفولة بدل آثار النار.