في خيمةٍ لا تقي من برد الليل ولا من ثقل الأسئلة، تجلس آية محمد البابا (28 عامًا) محاطة بأربعة أطفال، تحاول أن تُقنعهم -وتُقنع نفسها- أن ما حدث ليس حلمًا ثقيلًا. منذ استشهاد زوجها أحمد، لم تعد الحياة كما كانت؛ تحوّل البيت الذي كان يعجّ بالضحكات إلى ذكرى، وتحولت هي من امرأة تتكئ على شريكها إلى عمود وحيد يسند عائلة كاملة.
كان أحمد إبراهيم البابا (35 عامًا) يعمل في صيانة وتشغيل مولدات الكهرباء، مهنة محفوفة بالمخاطر في مدينة لا تعرف الاستقرار. خرج في ذلك اليوم ساعيًا لتأمين لقمة العيش، ومخططًا لشراء خيمة تقي عائلته مرارة نزوحٍ وشيك، لكن قذائف الاحتلال سبقت خطواته، وحوّلته من معيلٍ إلى اسمٍ جديد في سجل الشهداء.
تستعيد آية تفاصيل حياتها قبل الفقد بصوتٍ تخالطه الدهشة، وتقول: "كنت في حضوره سلطانة… كنت قوية به، مطمئنة بوجوده".
تضيف وهي تحاول ترتيب كلماتها: "اليوم صرت الأم والأب معًا، والواقع أقسى من قدرتي أحيانًا، لكن لا خيار لي سوى الصمود".
في الزاوية الضيقة من الخيمة، تحتفظ آية بما تبقى من عالمها القديم: مفتاح منزل لم يعد قائمًا، وساعة توقفت عقاربها عند لحظة استشهاد أحمد. تلمسها كما لو أنها تستحضر حضوره، وتهمس: "كل شيء بعده صار باهتًا… حتى الهواء".
الأطفال الأربعة، أكبرهم في الثامنة وأصغرهم لم يتجاوز الثالثة، يقفون كل يوم أمام باب الخيمة، يرقبون عودة لن تحدث.
تقول آية: "يسألونني عنه دائمًا… وأنا نفسي لم أستوعب بعد أنه لن يعود".
ومع اقتراب شهر رمضان، يزداد الوجع حين يسألها الصغار: "كيف سيأتي رمضان وبابا مش معنا؟"
سؤالٌ يختصر فجيعة بيتٍ فقد ركنه الأهم، وباتت مائدته ناقصة الروح.
رغم الانكسار، تخوض آية حربها الصامتة كل صباح؛ تُعدّ الطعام، تجهّز الأطفال، وتخبئ دموعها خلف ابتسامةٍ مرتجفة. لم تعد مهمتها التربية فقط، بل حماية صورة الأب من الغياب.
تقول: "أخاف أن تنسى الأيام ملامحه من ذاكرتهم، لذلك أجلس معهم كل ليلة، أحكي لهم عنه… عن شهامته، عن تعبه، عن حبه لهم".
تصف آية شعور الوحدة قائلة: "الفقد ليس غياب الشخص فقط، بل غياب الأمان. كنت أنام وأنا أعلم أن أحمد بجانبي، واليوم أستيقظ على بكاء أطفالي، وأنا الدرع الوحيد لهم".
لم تكن الخيمة التي خطط أحمد لشرائها مجرد مأوى مؤقت، بل محاولة أخيرة لحماية عائلته من التشرد. باستشهاده، لم تفقد آية زوجها فقط، بل فقدت الإحساس بالأمان الذي كان يمثله آلاف الآباء الذين سقطوا في حربٍ لا تميّز بين بيتٍ وخيمة.
ورغم كل ذلك، تصرّ آية على تحويل الفقد إلى قوة. تنظر إلى التوأم، ترى ملامح أحمد في أعينهما، وتتعهد له في صلواتها أن تبقى "السلطانة" التي عرفها، لكن في ميدان الصمود هذه المرة.
هي لا تنتظر انتهاء الحرب لتبدأ حياتها، بل تبني من الغياب منارة، وتحرس إرث الأمان الذي دفع زوجها ثمنه غاليًا، لتمنحه لأطفالها واقعًا لا ذكرى.